بإطلالتي عبر صفحات الرأي في صحيفة «البيان»، أرى أن أفتتح مهمتي، بمقدمة أتكلم فيها على توجهي ورؤيتي للأمور، وعلى الطريقة التي أتناول بها القضايا والمسائل، فضلاً عما يحرّكني من الهموم والمشاغل أو يفاجئني من الأحداث والوقائع، سواء تعلقت بالأشياء أو بالأشخاص والأفكار.

هناك بالطبع القضايا الحيوية والمصيرية التي تستأثر باهتمام الناس في العالم العربي، وفي العالم عموماً، كمسائل الإصلاح والتحديث والتقدّم، أو الهوية والديمقراطية والتنمية، وسواها من العناوين التي توجه مساعينا الوجودية ومطالبنا الحضارية.

ولكن لا يجدر بنا أن ننسى الحياة اليومية، بهمومها ومخاوفها ووقائعها كما يعيشها كل واحد في المنزل، أو في مكان العمل، أو في الشارع وعربة النقل، هذا فضلاً عن نمط العيش وصوره وأسلوبه ومستواه؛ ما ننتجه ونستهلكه أو نتغذى به، ولا أنسى الأجواء التي نحيا فيها والهواء الذي نتنفس.

لقد أصبحت ظروف الحياة ضاغطة والحاجات ملّحة والمخاوف متزايدة، ولم يعد يُجدي إرجاء ما يتعلق بما هو يومي وعادي أو حميم وشخصي، إلى زمن التحرير الكبير. فالفردوس لم ولن يتحقق على هذه الأرض، كما وعدنا أصحاب الدعوات والمشاريع المثالية والطوباوية.

وأنا أتساءل، باستمرار، ماذا تنفع الشعارات الكبرى التي نرفعها، القديمة والحديثة، حول الهوية والثوابت، أو حول الحرية والاستقلالية، أو حول التحرر والمقاومة.. إذا كنا نحيا حياة غير آمنة، أو نعيش في أجواء ملوثة، أو إذا كان ما نصنعه وننشره يضّر بالحياة والسلامة، أو إذا كانت مظاهر البشاعة والفوضى في العمران، أو أعمال الضجيج والضوضاء المتولّدة عن نشر الإعلانات والصور والخُطب والأسماء، تسيطر على ساحات مدننا وفضاءاتها؟!

الأمر الآخر الذي أوّد التطّرق إليه في مقالاتي، هو أنني، فيما أقرأ المجريات وأقارب الموضوعات أو أدرس المشكلات، إنما أعمل بخصوصيتي، وأستخدم عدّتي من لغات الفهم ومناهج المعرفة وصيَغ العقلنة... وهكذا كل فاعل يدخل على القضايا العامة، باستخدام أدوات حقله واستثمار خبرته في مجاله. فالسياسي يهتم بالقوانين والأنظمة وأساليب الإدارة والتسيير، والاقتصادي ينشغل بنماذج التنمية ومجالات التوظيف وفرص الاستثمار، وعالم الاجتماع يلتفت إلى العلاقات والروابط بين الأفراد والجماعات.

وهذا شأن المفكرين المحترفين، من العلماء والفلاسفة. فالمهمة المُناطة بهم هي الاشتغال على العدة الفكرية من النظريات والمفاهيم أو المناهج والنماذج، من أجل تجديدها وتطويرها. وهذا أحوج ما تحتاج إليه المجتمعات العربية التي تحتوي على غنى، بل فيض في الموارد والمعطيات الطبيعية والرمزية، ولكن مقابل هشاشة في الأفكار الخصبة أو نقص في العقول الفعّالة، سيما إذا كانت الأفكار المتداولة والسائدة فقدت مصداقيتها وفاعليتها في المقاربة والمعالجة.

ثمة أمر ثالث له أهميته، وهو أن التغيير أو التجديد لا يقتصر فقط على النظريات والمدارس والنماذج، وإنما يطال أيضاً ما أسميه «سياسة الفكر»، أي الكيفية التي نمارس بها علاقتنا بفكرنا، أو الطريقة التي نتعامل بها مع شعاراتنا، أو الأسلوب الذي ندافع به عن قناعاتنا وقضايانا.

فنحن تنقلّنا، طوال عقود، بين العناوين والشعارات، نستهلك شعاراً لنتمسّك بآخر، أو نقفز من عنوان إلى عنوان جديد من غير تعقّل أو تبصّر، على ما تعاملنا مع عناوين التقدّم والحداثة والتحرّر والحرية والتنمية والمجتمع المدني، فضلاً عن مجتمع المعرفة الذي هو آخر الشعارات المرفوعة للخروج من المأزق.

ولكن ماذا كانت الحصيلة؟ إننا لم ننجز على قدر ما ادّعينا، بل ترجمنا الشعارات بأضدادها في أكثر الأحيان. لأننا لم نتعامل مع الأفكار بلغة الخلق والابتكار لعناوين جديدة، أو بمنطق التصنيع والتحويل لإعادة إنتاج الأفكار القديمة وإغنائها، واستثمارها بصورةٍ فعّالةٍ في ميادين الممارسة وأتّون التجارب، بل تعاطينا معها بوصفها حقائق مطلقة أو مغلقة أو ثابتة أو نهائية... بقدر ما تعاملنا بصورة أحادية النظرة والمدخل والجانب والمنهج، مع الوقائع المعقدة والظواهر الملتبسة.

الأمر الرابع هو أنني سوف أتناول القضايا بعين نقدية، لا على سبيل النفي والإقصاء، بل على سبيل الفهم والتشخيص، بتشريح الآفات وكشف الأعطال أو تفكيك الأزمات، من أجل إعادة البناء والتركيب، وعلى نحو يتيح تلافي الأخطاء والعثرات أو تجاوز العوائق والأفخاخ، بقدر ما يتيح استثمار المكتسبات لتحقيق منجزات جديدة. فبعد كل هذه الإخفاقات والتراجعات والانهيارات، يساراً ويميناً، شرقاً وغرباً، لا مهرب من ممارسة المراجعة النقدية والمحاسبة العقلانية.

هذا شأن المجتمع الذي يمارس حيويته الوجودية المعرفية والسياسية والخلقية. إنه يملك عيناً نقدية على نفسه، تراقب وتحاسب، في كل حقل أو قطاع، بل لدى كل فرد. من غير ذلك يسيطر الاستبداد والفساد، أو تزدهر أعمال الشعوذة والتشبيح والقرصنة.

الأمر الخامس يتعلق بأدوار الكتّاب والمثقفين، ممن يهتمون بالقضايا العامة، أو يمارسون الوصاية على القيّم والحقوق والهويات، أو يدّعون امتلاك مفاتيح الحلول لمشكلات مجتمع أو أمّة أو البشرية جمعاء. مثل هذه الادعاءات النخبوية والنرجسية كلفت المجتمعات أثماناً باهظة، وها هي الأزمة المالية الراهنة تشهد على ذلك، إذ هي فاجأت العالم، بالرغم من حشود العلماء والخبراء بنظرياتهم ومناهجهم وحواسيبهم الفائقة.

الأجدى ممارسة هو التواضع، بكسر العقلية النخبوية، وفك الوصاية عن المجتمع والناس.. للعمل بمنطق المداولة والمبادلة والشراكة، بحيث يكون لكل فاعل، بصرف النظر عن مهنته وموقعه الاجتماعي، دوره وقسطه في عملية الإصلاح والتحديث والبناء، ذلك أن صناعة التنمية هي مسؤولية متبادلة وصناعة مشتركة.

الأمر الأخير يتعلق بالسياق العالمي الراهن. فنحن ندخل في عصر تتعولم فيه المشكلات والهويات أو الأدوار والمهمات، بقدر ما تتشابك المصالح والمصائر على الساحة العالمية.

ولعّل السمة الأبرز الآن للحظة الراهنة، هي الأزمة بوجوهها المختلفة وأسمائها المتعددة، كما تشهد المعضلات الأمنية والبيئية والصحية والمعيشية والمالية، وكلها وقائع صارخة، تسهم في رسم وحدة المصير البشري، أكثر من أي يوم مضى، من وراء صراع الهويات وصدام الثقافات وحروب الأصوليات.

ولذا، ما عاد بوسع أي بلد أو مجتمع، أن ينعزل ويعيش في القوقعة، إذ هو، شاء أم أبى، مندرج في واقعه الكوكبي، يتأثر كما يؤثر، بصورة سلبية أو إيجابية. وما يحدث من الانفجارات والثورات والتحولات ليس فزّاعة، ولا هو كارثة، وإنما فرصة أمام الجميع، كما هو فرصة أمام العرب، لكي يفكروا عالمياً، بحيث ينخرطون في المناقشات الجارية حول الأزمة الكونية، وتكون لهم مساهمتهم أو إضافتهم في صناعة الحضارة القائمة، عبر الاختراعات والإبداعات في مجالات الحياة المختلفة.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb