في الوقت الذي تعيش فيه دولة الإمارات العربية المتحدة احتفالات عيد إنشائها الثامن والثلاثين، تتجه الأنظار نحو دبي والأزمة التي نتجت عن مطالبة مجموعة «دبي العالمية» بتأجيل سداد الديون المستحقة عليها لمدة ستة أشهر، وذلك من أجل إعادة هيكلة بعض الشركات المنطوية تحت لواء المجموعة.
هذا الطلب خلق حالة من عدم الاستقرار في الكثير من الأسواق المالية، لا سيما تلك المرتبطة ببنوك ومؤسسات مالية لها صلة بعلاقات تمويلية مع شركات مجموعة دبي العالمية، التي تمثل الديون المستحقة عليها النسبة الأكبر من الديون المستحقة على إمارة دبي. ومع هذه الأجواء برزت مسألة العلاقة بين أبوظبي ودبي، وبرزت وجهات النظر حول فرص تدخل أبوظبي لمساعدة دبي، والمقابل الذي ستحصل عليه أبوظبي نظير مثل هذا التدخل.
إن الحقيقة التي يجب أن ندركها جميعاً، هي أن الاقتصاد الإماراتي اقتصاد مرتبط ببعضه البعض، وأن أي خلل في اقتصاد إمارةٍ ما من إمارات الاتحاد، لا سيما إن كانت الإمارة بحجم دبي، فإن ذلك سيلقي بظلاله على اقتصادات الإمارات الأخرى، مما سيؤدي في النهاية إلى تراجع الاقتصاد الإماراتي بشكل عام. وعليه فإن أي أزمة اقتصادية كبيرة في أية إمارة، تعامل على أنها أزمة وطنية تحتاج إلى وقفة واحدة من قبل جميع إمارات الدولة.
أبوظبي هي الإمارة الأكبر في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبالطبع فإنها تؤثر وتتأثر بما يدور من حولها؛ وإن حدث أي تراجع بدبي فسيؤدي إلى إلحاق الضرر بأبوظبي، لا سيما إذا ما علمنا أن 30% من ديون شركات دبي، هي ديون مستحقة لبنوك وطنية تابعة لإمارة أبوظبي، كما أن نسبة كبيرة من الأعمال القائمة في أبوظبي تعتمد على دبي كمصدر دعم لوجستي لها، وأن الإمارات الأخرى تعتمد في الكثير من نشاطاتها التجارية على استمرار النمو في دبي.
ففي هذه الحالة فإن مسألة تدخل أبوظبي بشكل خاص والدولة الاتحادية بشكل عام، لمساعدة دبي هو أمر مفروغ منه. ولكن مثل هذا التدخل يعتمد على كلٍ من دبي وأبوظبي، اللتين يجب أن تحددا كيفية هذا التدخل وطريقة المساعدة المرجوة.
فمؤخراً تقدم المصرف المركزي الإماراتي بشراء سندات لإمارة دبي بنحو 10 مليارات دولار أميركي، واكتتب بنك أبوظبي الوطني ومصرف الهلال التابعين لمجلس أبوظبي للاستثمار بـ 5 مليارات دولار في سندات إمارة دبي. ويبدو أن مثل هذه المساعدة لم تحل المشكلة بعد، ولكنها على أقل تقدير تثبت للجميع أن أبوظبي بشكل خاص والدولة الاتحادية بشكل عام، لا يمكن أن تكون بعيدة عن ما يجري في دبي، ولن تسمح لدبي أن يصيبها مكروه يقصم ظهر اقتصادها لا سمح الله.
لذلك فإن حديث البعض عن المقابل الذي ستحصل عليه أبوظبي من جراء مساعدتها لدبي، هو حديث مبالغ فيه. فدبي طلبت تأجيل سداد ديون بعض شركاتها من أجل إعادة الهيكلة، ولم تعلن عجزها عن سداد الديون، وبالتالي فإن الحديث عن لجوء دبي لأطراف أخرى هو حديث سابق لأوانه، حيث ان دبي لم تقل أنها لا تستطيع دفع مستحقات ديونها.
ولكن إذا ما اضطرت دبي للسعي للحصول على مساعدة من أبوظبي، فإن أهم مقابل يمكن أن تحصل عليه أبوظبي هو بقاء نموذج دبي شامخاً ومستمراً، لأن في ذلك قوة لاقتصادات الإمارات الأخرى بما فيها اقتصاد إمارة أبوظبي، فتعافي اقتصاد دبي فيه قوة لاقتصاد أبوظبي، تماماً كما هي قوة اقتصاد أبوظبي فيها قوة لاقتصاد دبي. ومن يحاول تحليل الأمور من منظور سياسي، فإنما يعيش حالة من الوهم، حيث لا توجد مكاسب سياسية تسعى أبوظبي للحصول عليها من دبي، سوى ربما التنسيق الأكبر بين الطرفين في ما يتعلق بمسيرة نمو اقتصاديهما.
صحيح أنه قد تكون هناك مكاسب اقتصادية، وهو أمر بديهي ومفروغ منه، حيث ان بقاء نموذج دبي ـ كما ذكرنا سابقاً ـ فيه دفعة لاقتصادات جميع إمارات الدولة للسير للأمام، وكذلك فإن منح مساعدة مالية قد يقابله مردود اقتصادي معين كامتلاك حصص في بعض الشركات كما هو حاصل الآن، وهي أمور عادية إذا ما قررت حكومة دبي اللجوء بالفعل للحصول على دعم ومساعدة من أبوظبي بالطريقة التي تراها الإمارتان الأفضل لهما ولدولة الإمارات العربية المتحدة. فأبوظبي ودبي هما القاطرتان اللتان تجران الدولة الاتحادية إلى الأمام، وتعاونهما أمر مطلوب ومهم للغاية من أجل استمرار نجاح الدولة الاتحادية في تحقيق أهدافها المنشودة، وليس في الأفق ما يشير إلى غير ذلك.
نعم لقد تأثرت دبي، نظراً لطبيعة اقتصادها، بالأزمة المالية التي عصفت بالعالم والتي لم يكن لدبي شأن في بروزها؛ دبي ليست معزولة عن العالم، بل هي في قلب العالم حيث انها مدينة متعولمة، ومن الطبيعي لهكذا مدينة أن تتأثر وتؤثر بما يحدث من حولها، وهو ذات الأمر الذي حدث مع دول جنوب شرق آسيا في نهاية العقد الماضي، والتي نتيجة لطبيعة اقتصادها تأثرت بأزمة مالية.
ولكنها خرجت من تلك الأزمة قوية. دبي التي كانت دائماً حديث الجميع، ستبقى دائماً المدينة التي ينظر إليها الكل بانبهار، فما حققته إلى يومنا هذا لم تستطع دول أن تحققه وتنجزه، فبنيتها التحتية متقدمة عن جميع الدول في المنطقة، وقوانينها المنظمة للتعاملات الاقتصادية تعتبر أكثر شفافية وتقدماً، الأمر الذي سيكون رصيداً مستمراً لدبي في استمرار النمو وارتفاعه من جديد، وإن كان بعض من شركاتها تواجه فترات صعبة، فإن دبي ومعها أبوظبي ستكونان قادرتين على تجاوز هذه المرحلة. فكما وقفت الصين واليابان مع دول جنوب شرق آسيا في أزمتها المالية الماضية، فإنه ما من شك في أن تقف أبوظبي مع دبي لتجاوز هذه المرحلة.
ولعل المطلوب في المرحلة المقبلة هو التكامل الاقتصادي بين إمارات الدولة، حيث يكون اقتصاد كل إمارة مكملا لاقتصاد الإمارة الأخرى وليس منافسا له، وفي الأوضاع الحالية مؤشر إيجابي في التحول نحو تحقيق مثل هذا الهدف، وفق رؤية اقتصادية محورها التكامل الاقتصادي بين إمارات دولة الإمارات العربية المتحدة.
جامعة الإمارات
