واهم، ومخطئ، وآثم أيضاً، من يظن أن دبي «طاحت» و«وقعت» و«انهارت».. وما إلى ذلك من أوصاف خرجت من قواميس الشياطين الشامتين، وما أكثرهم، وما أغباهم في ذات اللحظة...
واهم من يظن أن دبي لا تمتلك الحلول الناجعة، والخطط البديلة، والاستراتيجيات التي تحيل الانكماش إلى نمو وازدهار. واهم أيضاً، وآثم جداً، من يظن أن العلاقات التاريخية بين آل نهيان وآل مكتوم يمكن أن تنفصم عراها، أو أن تتزعزع. العلاقات التاريخية، وأواصر القربى، والحلم الوحدوي المشترك الذي أضحى أنموذجا يحتذى، والأسس الراسخة التي أرساها الكبيران الراحلان المغفور لهما زايد وراشد، كفيلة بالتعاون المشترك، من أجل الغد المشرق لكل الإمارات التي أرادها زايد أن تكون النموذج الوحدوي العربي المشرف والمشرق.
والتناغم الرائع الذي نراه اليوم ونلمسه، بين صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ، يكفل استمرار البناء والنماء والازدهار على هذه الأرض الطيبة.
من منا لا يذكر انقطاع التيار الكهربائي في دبي قبل سنوات، لبضع ساعات؟ خبر تناقلته الفضائيات كـ «خبر عاجل»، حتى في دول يغني الكثير من سكانها للتيار الكهربائي «زوروني كل سنة مرة»!
ألا يكفي هذا للتدليل على الحقد والحسد عند البعض؟! لماذا نغار من المدن الناجحة؟ ولماذا نحقد على الفراشات الملونة الحالمة؟ كثيرون صفقوا لدبي طويلاً: أكلوا من خيرها، صاروا فيها أطول قامة، صنعوا الثروات، ومنها امتلأت جيوبهم، وفيها اكتنزت محافظهم، وقالوا إنها «أرض الفرص»، والمدينة التي تجعل الحلم حقيقة، وكانت تعتريهم الدهشة بإنجازاتها التي تعانق السماء.. ثم «انقلبوا» عليها، و«قلبوا» لها ظهر المجن!
وعندما حلت الأزمة الاقتصادية العالمية (ولم تكن طبخة إماراتية)، ولم تنج منها دول كثيرة، بعضها أفلست، وأخرى كانت قاب قوسين أو أدنى، ودول انكمش اقتصادها وتراجعت صادراتها، وأنهت خدمات مئات الألوف من عمالتها، وأفلست بنوكها وأغلقت العديد من مصانعها، ودول رأسمالية عادت إلى النظام الشيوعي بشراء حكوماتها لمؤسساتها وبنوكها.. لم نسمع من ينتقد أو يتصيد في الماء العكر.
ولكن عندما يتعلق الأمر بدبي، الفاتنة المسربلة بالعشق، تبدأ الألسنة من حديد وشواظ تنتقد نقد الحاقد، وتشوه تشويه اللئيم! وحينما خارت «النمور الآسيوية»، لم نسمع من الصحافة الأجنبية مثل ما قيل عن دبي مؤخراً، لأن الدول الأجنبية هي من صنعت ازدهار تلك «النمور»، ومن قصمت ظهرها، وبدأت تُملي عليها سياساتها. لاحظوا أننا لا نصنع الأزمات، وإنما نحن ضحاياها! ولاحظوا أن الأزمة الحالية أدت لإفلاس 130 مصرفاً أميركياً.. فهل كانت دبي وراء إفلاسهم؟ أم أن أرصدتنا كعرب ومسلمين تبخرت في بنوكهم؟!
هل استدانت دبي لتأكل؟ أم لتحقق في سنوات ما عجز البعض عن تحقيقه في خمسين سنة وأكثر؟!
دبي، على الأقل، لديها أصول ثابتة، واستثمارات، وبنية تحتية لا مثيل لها.. والأهم أن لديها قيادة واعية، وحلما مشروعا، ولم تقترض لتبذير المال وإهداره. ومن يشكك فليأت لتشاهد كل درهم أين تم صرفه؟ وكيف؟ لقد صار دعامة في جسر معلق، أو مبنى يعانق الغيم، وكان استثمارا لبناء الإنسان، والأوطان؟ دبي اشترت المستقبل، والذين ينتقدونها تم شراء ذممهم، إن كانت لهم ذمم أصلاً، وشراء أقلامهم بثمن بخس، دراهم معدودة...
دبي مدينة مفعمة بالحركة، وحينما تعصف أزمة ما بالعالم، فمن الطبيعي أن يكون لها انعكاس عليها، لأنها الأكثر تأثيراً وإيجابية. الغرابة أن تؤثر الأزمة في مدن كانت ميتة قبلها!
دبي إن كانت تعاني، فوجعها جاء من الحسد.. دبي محسودة على قيادتها الواعية التي تستشرف المستقبل وتصنع الحاضر، ولا تنتظر الحدث ليؤثر فيها أو عليها، وإنما تصنعه. وهي محسودة على شعبها الملتف حول قيادته، وعلى ما حققته من صيت لا يدانيه أحد.. كما هي محسودة على نعمة الأمن والأمان، والتناغم الحضاري بين 200 جنسية يعيشون على أرضها بمحبة، بينما بعض الدول لا تجيد التناغم مع نفسها وشعبها. والأصوات النشاز التي تحاول أن تمس سمعة دبي ومكانتها، لن تُفلح أبداً، وعليها أن تخرس، وأن تفهم، وأنا أشك في قدرتها على الفهم، أن دبي قادرة على أن تنهض، وأن تنتزع لنفسها الريادة دوماً.
دبي ملتزمة بسداد ديونها السيادية، أما ديون الشركات فلم تكفلها حكومة دبي ولم تطلب من البنوك إقراضها، ومن له دين على شركة فعليه أن يطالبها به وفقاً للقانون، أو يصل معها إلى تسويات وجدولة للدين. أما البنوك الأجنبية التي اعتادت أكل أموالنا، وقضم أرصدتنا، ثم تتبخر بين غمضة عين وانتباهتها، والتي لم تستوعب الانتظار قليلاً لندفع حقوقها وما اقترضناه منها، فعليها أن تتعامل باحترام وتقدير مع دبي، لا أن تتطاول على مقامها. فالكثير من تلك البنوك صنع ثرواته في دبي، وحقق الأرباح الخيالية، وتمتع بالتسهيلات والضمانات.
ولن نسمح بسماع أصوات نشاز، تنشر الحقائق المزيفة، وتشكك في قدرة دبي على الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها، قانونية كانت أم أخلاقية.
يقال: «الأشجار المثمرة هي التي تُرمى بحجر». والواقع أن دبي اليوم تُرمى بألف حجر، لأنها مثمرة، وشهية، وهي لا تبخل حتى على من رموها بحجارتهم، لكنها بعد الأزمة عرفت العدو من الصديق، وستمضي للمستقبل رغم النباح أو العواء، والسهام الحاقدة التي توجه نحو دبي، لن تمر دون حساب وساعته آتية لا ريب فيها.
لقد سمعنا في بداية الأزمة العالمية، إشاعات السيارات التي تركها أصحابها (بالآلاف!) في مطار دبي، ثم أعلن الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي أنها 11 سيارة، وحدد أرقامها وأوصافها ومهن أصحابها، وبعضهم بائع «موبايلات» وليسوا من كبار رجال المال والأعمال! وكلنا يذكر إشاعات حجوزات الإجازة الصيفية للمقيمين، وأنها بلا رجعة. وقد عاد المقيمون بعد رمضان، ومعهم زوارهم أيضاً!
كفى هذه الألسن التي سنقطع دابرها بوحدتنا، مواطنين ومقيمين، من شتى الأجناس والمنابت، لأننا نشترك في عشق واحد، وحلم واحد اسمه: دبي.
وكلمة أخيرة للشامتين، الشياطين من أبناء جلدتنا العرب: هذه دبي، وليست تل أبيب!
كاتب وإعلامي فلسطيني
