ولدت أوروبا من جديد في مطلع ديسمبر، مع دخول اتفاقية لشبونة حيز التنفيذ. ورغم أن البعض يرى ولادة أوروبية جديدة مع كل عملية توسيع، لكن هذه المرة كان من المطلوب والمفروض صيغة جديدة مختلفة للعمل الأوروبي الجماعي، بعد أن زادت العضوية 12 دولة منذ عام 2004. اتفاقية لشبونة كرست لأوروبا على الصعيد المؤسسي شخصية سياسية دولية، معززة دور البرلمان الأوروبي ومختلف مؤسسات الاتحاد.

لكن الأهم أنها أعطت لأوروبا رئاسة مستقرة لفترة عامين ونصف، و«وزير خارجية» على رأس جهاز دبلوماسي أوروبي يحتل منصب نائب رئيس المفوضية، مما يعطيه وزنا زائدا وظهورا أكبر على المسرح الدولي.

لكن، على صعيد الواقع جاء اختيار كل من الرئيس الجديد (رئيس وزراء بلجيكا السابق) ووزيرة الخارجية الجديدة (وهي أيضا شخصية بريطانية مغمورة)، ليؤكد على عناصر ثلاثة أساسية: أولا، أن الدول الأعضاء لا تريد الإتيان بشخصيات ذات ثقل دولي وشرعية سياسية كبيرة تؤثر وتنافس قادتها، بحيث لا يغطى «الأوروبي» على الوطني.

وثانيا، لعب الثنائي الألماني الفرنسي دورا أساسيا في اختيار المسؤولين الجديدين، وعكس ذلك عودة دور القاطرة الفرنسية الألمانية للاتحاد الأوروبي، بعد فترة من البرودة اعترت العلاقات بين العاصمتين.

وبالطبع لا بد من التذكير، ليس فقط بالوزن السياسي الخارجي والدولي لهاتين القوتين الأوروبيتين، بل بكونهما أيضا تشكلان سوية 48% من الناتج الداخلي الخام و33% من عدد سكان الاتحاد الأوروبي، كما أن الاتفاقية الجديدة تعطيهما 31% من أصوات المجلس الأوروبي.

ثالثا، كما يقول الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، «المهندس» الرئيسي لاتفاقية لشبونة والذي ترأس المؤتمر الأوروبي الخاص لوضع هذه الاتفاقية، فإنه كان من الطبيعي (على الأقل في المرحلة الأولى، مرحلة وجود نظام جديد) أن تكون هنالك فترة تجريبية.

ولم يكن بالتالي من الممكن اختيار «جورج واشنطن للاتحاد الأوروبي» ليقول إن المطلوب كان الابتعاد عن اختيار شخصية قوية تثير محاذير بعض الدول ومخاوف بعضها الآخر، بل اختيار شخصية أقل تأثيرا وذات دور تسووي.

عشية الانطلاقة الجديدة، تبقى أمام أوروبا لائحة طويلة من التحديات، أولها يتعلق بكيفية استيعاب أوروبا لدروس ونتائج الأزمة العالمية الاقتصادية، وإعادة انطلاق الاقتصاد الأوروبي.

والجدير بالذكر أن فريق المفوضين الأوروبيين الجدد، يضم عددا ممن يريدون دورا تنظيميا مؤثرا في الاقتصاد الوطني والأوروبي لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، أكبر من أولئك الذين ينتمون إلى المدرسة النيوليبرالية الاقتصادية.

مما يعلن بشكل مسبق، كما يقول المفوض الأوروبي الجديد لشؤون السوق الداخلية ووزير خارجية فرنسا الأسبق ميشال بيرنييه، أن المطلوب هو أن تقوم أوروبا بدور تنظيمي فاعل على صعيد السوق الأوروبية والأسواق الوطنية. ولأوروبا تحديات كبيرة أيضا على مستوى صياغة سياسة خارجية فاعلة ومؤثرة، يفترض أن تنطلق مع اتفاقية لشبونة.

ويذكر، في هذا الخصوص، كريس باتن المفوض الأوروبي السابق لشؤون السياسة الخارجية، أن هنالك بعض المبادئ التي يجب أن تحكم السياسة الأوروبية المشتركة، ومن أهمها المزيد من الواقعية في السياسة الدولية، والاقتناع بأن الأفضل لأوروبا هو أيضا لمصلحة العلاقة مع الحليف الأقرب وهو الولايات المتحدة الأميركية.

وكذلك ضرورة بلورة سياسة طاقة أوروبية ناشطة، مما يسمح بتخفيف الانكشاف الأوروبي أمام روسيا، إلى جانب القيام بدور فاعل في منطقة البلقان، وحسم موضوع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لمصلحة هذا الانضمام، وأخيرا القيام بدور ناشط، وليس فقط لسياسة إعلانية أو سياسة مواقف، على صعيد القضية الفلسطينية.

وتبرز أمام أوروبا لائحة أخرى من التحديات، كالدور الدفاعي والأمني الأوروبي في إطفاء «حرائق» دولية قائمة واحتواء أزمات وإخمادها، وذلك في إطار توضيح أسس علاقات التكامل والتعاون مع الحلف الأطلسي، بحيث تبقى لأوروبا سياستها الدفاعية المستقلة.

وتتعزز هذه السياسة، دون أن يعني ذلك أن تكون في حالة طلاق مع السياسة الأطلسية، أو أن تغرق وتذوب في بحر الأطلسية ذاتها. ومن الملفات التي تستدعي كذلك التعامل معها بدبلوماسية، الموقع الجغرافي والسياسي بالنسبة للاتحاد الأوروبي وتعزيز توسيعه، ونتائج هذا التوسيع في أوروبا الوسطى.

والعلاقات مع دول أوروبا التي تقع قريبة من روسيا وعلى حدودها، بغية تحديد شروط التحول من العلاقات الخاصة إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، تجاوبا مع طلبات هذه الدول وتلافيا في الوقت ذاته لمشاكل مع الجار الروسي الكبير، ثم بلورة استراتيجية أوروبية تجاه روسيا، ذات طابع شامل على صعيد القضايا ومشترك على صعيد المصالح الوطنية لدول الاتحاد الأوروبي.

وعلى أوروبا بالطبع التوقف عن الهروب إلى الأمام في مسألة الانضمام التركي إلى الاتحاد، بما لهذه المسألة من انعكاسات وحساسيات وما تمثله من دروس على صعيد يتخطى السياسات الرسمية الأوروبية، ليطال نظرة أوروبا إلى مجتمعاتها وإلى التركيبة التعددية لهذه المجتمعات، ونظرة أوروبا للعلاقات مع جارها العالم الإسلامي، وأيضا لكيفية الاستفادة من الدور التركي الصاعد بقوة في الشرق الأوسط وفي آسيا.

لكن على أوروبا، أيضا، بعد أن «تسلحت» بجهاز يعطيها القدرة على أن تكون فاعلا دوليا مؤثرا، أن تواجه تحديات التحولات الحاصلة على صعيد بنية النظام العالمي الذي يتشكل، أمام ثنائية قطبية أميركية صينية آخذة في الاستقرار تحت عنوان شراكة استراتيجية بين واشنطن وبيكين.

وعودة روسية قوية للبحث عن الدور الذي يتناسب والمكانة التاريخية لموسكو، وترسخ مواقع وأدوار قوى إقليمية دولية تشكل بوابات عبور أساسية إلى مناطقها، مثل الهند والبرازيل، وضرورة مشاركة أوروبا على صعيد المضمون أكثر من صعيد الموقف الشكلي، في صياغة استراتيجيات أمنية وسياسية دولية، للتعامل مع الأجندة الدولية التي تزداد تعقيدا وانتشارا في تأثيرها.

اتفاقية لشبونة توفر الآليات والأجهزة للدور الفاعل والناشط، ولكن يبقى أمام أوروبا أن تختار بين نموذجين كانا دائما في حالة صراع كعنوانين مختلفين للبناء الأوروبي، حملتهما الدول الأعضاء في نظرتها إلى مستقبل الاتحاد. فهل نحن أمام نجاح نموذج فيدرالية الدول الوطنية التي لا تلغي السيادات الوطنية، ولكنها تأخذ منها لمصلحة سيادة أوروبية أكثر فعالية على الصعيد الدولي؟

أم أن أوروبا السوق الاقتصادية والمالية والنقدية الواسعة، ستبقى طرفا متلقيا دون بلورة سياسات فاعلة على صعيد الشؤون الاستراتيجية الدولية؟!

بقدر ما أن اتفاقية لشبونة كانت شرطا ضروريا لمن يريد أوروبا الطرف الفاعل العالمي، إلا أنها تبقى شرطا غير كاف، طالما لم تتوفر الإرادة السياسية الأوروبية المشتركة لإحداث التحول المطلوب.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr