لو أن العالم العربي بخير، لكانت إسرائيل اليوم في أسوأ موقف لها على الإطلاق، ولما استطاعت أن تفر بجرائمها، ولا أن تهرب من حصار العدالة الذي يسعى العالم لاستكمال حلقاته عليها.. لكننا لسنا بخير، فلا نحن قادرون على أن «نفعل» بأنفسنا ما ينبغي فعله، ولا نحن قادرون على الاستفادة مما يقدمه لنا «الآخرون» من فرص نتفنن نحن في إهدارها!
وطوال الأسبوع الماضي كانت إسرائيل تقاتل من أجل منع أوروبا من إصدار قرار يدعو لتقسيم القدس لتكون عاصمتين لإسرائيل وفلسطين، كما يدعو لاستئناف التفاوض، ولكنه يحدد الهدف بأنه «إقامة دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية وقابلة للحياة، وتتمتع بتواصل جغرافي وتشمل الضفة وغزة والقدس الشرقية كعاصمة لها»..
كما يشير القرار كما طرحته السويد (التي تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي حاليا) إلى إمكانية الاعتراف لاحقا باستقلال الدولة الفلسطينية، ويؤكد على رفض أي تغيير في حدود 67 (إلا بموافقة الفلسطينيين)، كما يؤكد على عدم الاعتراف بضم القدس الشرقية لإسرائيل.
ولم يكن مشروع القرار السويدي والتأييد الأوروبي له نابعاً من فراغ، بل من إدراك لأن ما تتخذه إسرائيل من إجراءات على الأرض، ينسف ما تبقى من فرص ضئيلة للسلام، وأن هزيمة الرئيس الأميركي أوباما وتراجعه أمام حكومة نتانياهو في معركة وقف الاستيطان، يخلق أوضاعاً خطيرة ويستوجب التحرك الأوروبي، ليس فقط لملء الفراغ ومنع الانفجار.
وإنما لتوجيه رسالة للحكومة الإسرائيلية بأن السلام في المنطقة هو أيضا «مصلحة أوروبية»، وأن تراجع الإدارة الأميركية في سياستها، لا ينبغي تفسيره من جانب إسرائيل بأنه «كارت بلانش»، لتستمر في سياستها لتهويد القدس وابتلاع الأرض، ونسف كل فرصة حقيقية لإقامة الدولة الفلسطينية.
ولم يكن مشروع القرار الأوروبي وحده هو الذي يزعج إسرائيل، بل وما رافقه واستند عليه من تقارير، كان أهمها ذلك التقرير الذي أعده قناصل الاتحاد الأوروبي في القدس ورام الله، والذي كشف هذه السياسة التي تتبعها إسرائيل لتغيير الميزان الديمغرافي في القدس المحتلة لصالح اليهود، وفصل القدس الشرقية عن الضفة، وتقديم الدعم الرسمي لجمعيات الاستيطان المتطرفة، للسيطرة على المدينة والاستيلاء على منازل العرب وإجبارهم على الرحيل من المدينة المقدسة.
ولم يتوقف الأمر هنا على الإدانة، بل طالب التقرير بإجراءات فعلية تؤكد دول أوروبا من خلالها رفضها لهذه السياسة الإسرائيلية، واعترافها بالقدس الشرقية عاصمة مستقبلية للدولة الفلسطينية، بالإضافة إلى فرض عقوبات دبلوماسية وسياسية ومقاطعة اقتصادية، لإجبار إسرائيل على التراجع عن هذه السياسة.
ولم يكن هذا فقط ما تواجهه إسرائيل.. ففي نفس الوقت كانت قرارات المقاطعة تتوالى من جامعات ونقابات واتحادات مهنية أوروبية، بينما كانت الأمم المتحدة تشهد تصويت الجمعية العمومية بأغلبية كاسحة، على قرار يعتبر كل الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل في القدس المحتلة باطلة وليست لها أي شرعية على الإطلاق، وعلى قرار آخر يؤكد على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 67 بما فيها القدس الشرقية. ولم تعارض القرارين إلا دولتان أو ثلاث.. بجانب إسرائيل والولايات المتحدة بالطبع!
كل هذا كان يمكن أن يمثل سنداً حقيقياً لنا، أو أننا كنا قادرين على التعامل معه كما ينبغي. لكننا ـ للأسف الشديد ـ لسنا كذلك، ولهذا لم نستطع الاستفادة من فرص عديدة، كان آخرها إعلان أوباما عن سياسة أميركية جديدة تقوم على اعتبار أن التسوية العادلة على أساس حل الدولتين هي «مصلحة أميركية».
ووقفنا نتفرج حتى تمكن نتانياهو من حشد الكونجرس الأميركي وراءه، واضطر أوباما للتراجع لتقدم وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون الشكر لنتانياهو على «تنازلاته غير المسبوقة»، التي تتضمن استباحه القدس أمام الاستيطان.. فهل يتكرر الأمر مع أوروبا؟ أخشي أن الإجابة، إذا لم تحدث معجزة، هي «نعم»!
فنحن ندرك الآن أن طريق أوسلو قد وصل إلى نهايته، ولكننا لا نعرف ماذا نفعل بعد ذلك.. هل نذهب لمجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل استصدار قرار بإعلان الدولة الفلسطينية؟ هل نعلنها من جانب واحد ونضع العالم أمام مسؤولياته؟ هل نضع حداً لحكاية السلطة الفلسطينية الوهمية ونكشف الوضع الحقيقي لإسرائيل كقوة احتلال؟
هل نعيد للمقاومة المشروعة اعتبارها بعد أن أوصلتنا 16 سنة من التفاوض العبثي إلى ما نحن فيه؟!
الخيارات عديدة، لكن القرار غائب.. والخلافات العربية كما هي، والانقسام الفلسطيني كما هو، والقوة العربية الرئيسية تنكفئ على همومها الداخلية أو تشتبك في صراعات حقيقية أو مختلقة.
وكأننا لم تعد تكفينا هموم فلسطين والعراق والسودان، فتداهمنا حرب السعودية واليمن ضد الحوثيين، وتفجعنا مهزلة أن تتحول مباراة للكرة إلى أزمة حقيقية بين دولتين كبيرتين كمصر والجزائر!
في مثل هذه الأوضاع العربية والفلسطينية.. لن تكون قرارات الأمم المتحدة إلا أرقاماً تضاف إلى أرقام سابقة حملت قرارات لم تنفذ، ولن تكون المواقف الأوروبية (رغم أهميتها) إلا شهادة براءة لأوروبا من جرائم إسرائيل، ترضي ضميرها وتنحاز لموقف شعوبها، وتحفظ مصالحها، وتكشف، مرة أخرى، أن قوتنا أو ضعفنا هي وحدها التي تحسم الصراع!
كاتب مصري