لم يخامرني الشك مطلقاً، حينما وصل إلى مسامعي ذلك الصخب الإعلامي الذي أثير حول طلب مجموعة «دبي العالمية» تأجيل تسديد جزء من ديونها لمدة بضعة أشهر، أن ذلك الصخب وتلك الضجة مفتعلة ومبالغ فيها، وربما تقع في إطار الغيرة والحسد، وربما التشفي أيضاً. وقد تأكد ما كنت أتوقعه، حينما اطلعت على مقالة للجريدة الإنجليزية المرموقة «الفاينانشال تايمز» تشير إلى ذلك.

ففي عالم التجارة والمال والاقتصاد، وفي ظل الأزمة العالمية التي تشهدها اقتصادات جميع الدول تقريباً، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، التي انطلقت منها الأزمة في الأصل، وفي إحدى شركاتها العقارية الرائدة وهي «ليمان برذرز»، فإنه من الطبيعي ومن المتوقع أن تطلب شركات هنا وهناك فترة مهلة أو سماح لتسديد ديونها والوفاء بالتزاماتها، خاصة أنها لم تكن هي المسببة للأزمة، بل من ضحاياها أو المتأثرين من شررها.

ولم يدر في خلدي أن النشاطات الاقتصادية ستتوقف في الإمارة أو حتى تتلكأ، كما كان يأتي في تهويلات بعض وسائل الإعلام ومبالغاتها. ومن حسن الطالع أنني استطعت أن أقطع الشك باليقين، رغم أن الشك لم يداخلني في المقام الأول، إذ كنت قد قررت منذ مدة أن أزور دبي كدأبي مؤخراً، وكان ذلك في غرة هذا الشهر.

حيث كنت محظوظاً أيضاً بمشاهدة مظاهر الاحتفال بالعيد الوطني الثامن والعشرين للدولة، وهو ذلك الاتحاد الذي جلب الخير والرخاء والاستقرار لشعب الإمارات الشقيق. وقد تزامن عيد الاتحاد هذه السنة مع عيد الأضحى المبارك، ليكون العيد عيدين على أهل البلاد.

والحق أنني لم ألحظ شيئاً مختلفاً عما كنت ألحظه في سابق زياراتي، اللهم إلا أن الفندق الذي نزلت فيه كان يغص بساكنيه ورواده عن بكرة أبيه! ورأيت سياحاً من شتى بقاع العالم، تدل عليهم سحناتهم ولغاتهم، والكثير منهم من الأشقاء الخليجيين مع أطفالهم الذين كانوا يذرعون السلالم المتحركة جيئة وذهبا!!

ولا بأس في هذا المقام أن أسرد ما أسره لي سائق التاكسي الذي أوصلني لفندقي، وقد رويت تلك القصة في أحد مقالاتي في جريدة «أوان» الكويتية التي أكتب فيها عمودا يومياً. قال السائق إن سائحاً كويتياً ركب معه في أول أيام العيد، وطلب منه إيجاد فندق له لأنه أتى إلى دبي دون حجز، يقول: فأخذت ألفلف به بين فنادق دبي وشققها الفندقية أكثر من الساعتين، إلى أن وجدت له بشق الأنفس حجرة يبيت فيها ليلته!!

ثم إنني صعدت إلى مترو دبي الأنيق، لأتأكد بأم عيني ثانية من أن الأحوال هي على ما يرام، فرأيته عامراً بالركاب ومنهم الكثير من السائحين الخليجيين الذين أرادوا أن يروا هذا المَعلم، وأن يتمتعوا بسهولة ويسر استخدامه، فضلاً عن أنه يوصل إلى أشهر أسواق دبي بسرعة وبأسعار في متناول الجميع.

ولا أكون مبالغاً إن قلت إن هذا المشروع عند اكتماله، سيكون نموذجاً يحتذى لكل عواصم الخليج العربي، وأولها الكويت التي باتت تكتظ بالسيارات، لدرجة أن الحركة أضحت فيها مستحيلة. ناهيك عن عواصم الدول العربية المليونية، التي يعاني سكانها الأمرين في عملية تنقلاتهم!

ولعل استثمار الدول الخليجية والعربية في هكذا مشروعات، هو من المحفزات الضرورية في هذه المرحلة الاقتصادية الحرجة، التي يمر بها العالم ومن ضمنه الدول العربية، والعائد على الاستثمار منها لن يكون فقط مادياً، بل وأيضاً تيسير سبل الانتقال، فضلاً عن التخفيف من غلواء التلوث وما يسببه من أمراض واحتباس حراري.

إن دبي تجربة رائدة في عملية التنمية وفي خلق بدائل لعصر ما بعد النفط، وسواء اتفقت معها أم لم تتفق فإنك لا تستطيع إلا أن تحترم هذه التجربة.

والمعلوم للكل، أنه لا توجد تجارب تنموية بدون عثرات أو زلات، وأيضاً من المعلوم أن الأزمات هي جزء أساسي من ظاهرات الرأسمالية تحدث دورياً، ومن الصعوبة التنبؤ بدقة بموعد وقوعها أو بشدة وتيرتها، أو بمدى عمق آثارها أو بالمدة المطلوبة للخروج منها.

ومنذ أن وضعت دبي نفسها على خريطة العالم، كمركز تجاري رئيسي وكنقطة مهمة للاستيراد والتصدير وكمنطقة جذب سياحية، فإنها من الطبيعي أن تتأثر بشدة، أكثر من غيرها، بتقلبات الاقتصاد العالمي ودورات الكساد والانتعاش فيه.

ولعل دبي محظوظة أن يثار هذا اللغط حولها في هذا الوقت، حيث تحتفل دولة الإمارات بعيدها الوطني الثامن والثلاثين، ليؤكد قادتها متانة وضع بلادهم الاقتصادي، ولتكون هذه الذكرى مناسبة سعيدة للاحتفال بقيام الاتحاد بين الإمارات السبع، ذلك الاتحاد الذي بات يترسخ أكثر وقادراً على مواجهة شتى الأزمات ومختلف الصعوبات.

وحيث أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة تبرز شقيقاتها الخليجيات، في محاولة تنويع اقتصادها ومجابهة عصر ما بعد النفط، رغم ما في باطن أراضيها من الخير الكثير. نهنئ إخوتنا في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة على عيدهم الوطني الثامن والثلاثين، ونقول للمغرضين والمهولين والشامتين.. لدبي رب يحميها.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com