مازال شطر من العربان ينصبون سوق عكاظ وثنا يتقربون به إلى آلهة الفراغ، رغم مرور قرون على شطب هذه الاحتفالية الصوتية التي لا توفر أمنا ولاتسمن من جوع.

ومن كانت تجارته رص الألفاظ، وموهبته وضع البهارات على سواد المعاني فمحال ان يستدرك جوهر الأفعال ومفرداتها التي تلمع إذا ادلهمت الخطوب، وهنا الفرق بين الذين يتكلمون والذين يعملون على أساس أن الأولى تجارة تدخل خانة الهوامش عندما يكون الفعل سيد الموقف بقوة الانجاز الذي تم صناعته تعبا وكدا، عكسا للألفاظ الخاوية التي بدايتها ونهايتها ملتصقتان بفعل المضغ بفم خاو لم ينل غير جفاف الحلق وتشقق اللسان.

إذن نحن مجددا أمام الظاهرة الصوتية في هذه الأمة، التي أوتيت بلاغة الصياغات لكي تفعل علاقاتها مع الحياة من خلال الممارسات ذات الجدوى، فإذا بها تأخذ الأسهل الميسر لتتصدر الساحة بعلم الخطابة الذي يقرع الآذان صريخا، لكنه يظل طبلا فارغا مادام يقف على مسافة بعيدة عن مدى التأثير المباشر في الحدث، ولذا حذرنا الأقدمون من «عليم اللسان» كوجه آخر من وجوه «أفيون الشعوب»، وليعذرنا كارل ماركس على هذا الاقتباس الطارئ.

هي دعوة للبراءة من تهمة الخطابية، حيث لذة الطرب والهوى هي التي تدفعنا أحيانا إلى الانتشاء بالكلمات، وكأنها مسكن للآلام متناسين أنها مؤقتة، أما حقائق الحياة الصادمة حيث الفعل يتسيد الموقف ويأخذ الاستحقاق الأخير دون الالتفات إلى أولئك المتشدقين المتحذلقين المتوهمين الفوز على الورق.

وإذا ذكر لمرتادي سوق عكاظ روعة المعاني وجزالة الأساليب وقوة البلاغة، فماذا نذكر لكثير من مفوهي العصر غير البهرجة الصفراء الصادمة للعقول والسارقة للحظة اليقظة اليتيمة التي قد تأتي بولادة متعسرة في هذا الزمان الأغبر، وعندها تتربع الظاهرة الصوتية كمصل سلبي ينشر الإحباط في الروح، عندما تنتشي الأصوات في الخواء مخلفة دمارا للأبناء وأكاليل زهر للأعداء.

تظهر المفارقة بين حالي الكلام والفعل عندما تضع كل مجلدات التبختر السياسي والتنظيري والفلسفي أمام فعل واحد يدخل في خانة «المقاومة»، فماذا تكون النتيجة الحتمية غير تهشم مرآة الخطابة كعجوز شمطاء ترتعب من إظهار ما تبقى من مفاتنها المتهالكة أمام فارس المقاومة ممتطيا جواد الفعل وصناعة الحدث حيث القبض على الوقت وحجز المكانة في سجل التاريخ.

وخلو الكلام من الأفعال المضارعة إنما هو ضرب من ضروب الهواجس مثلها في ذلك مثل الإدمان لتدمير الذات، وهي لذلك تستوجب العلاج ولو بتدخل جراحي لحواشي الحلق يقلل من كثرة التفوهات بجهل وبغير حاجة حفاظا على الطاقة، وتحويلها إلى طلقة مقاومة فذلك أكثر خيرا وأفضل سبيلا.

al_khabar@hotmail.com