مثل الإسلام السياسي التركي في صيغته التي جاءت مع أردوغان وعبد الله غول، حالة سياسية جديدة تجاوزت فيها الجماعة الإسلامية التركية نماذجها السابقة. بل إن مبارحة نموذجهما هذا للصيغة التي جاء بها مؤسس الجماعة السابقة ورئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، يعتبر التحول الفكري المهم والأساسي في الحالة التركية.
فهو في هذا يقدم نموذجا لما يمكن أن يطلق عليه «العقلانية الإسلاموية»، حيث تخلت الجماعة عن أهم العوامل الحافظة للسكونية التي بات عليها خطاب الجماعات الإسلاموية العربية والإيرانية والباكستانية: ألا وهما عاملا الأدلجة، وتسييس الدين.
ويقدم النموذج التركي في حالته الآنية، قدرة غير عادية، ليس على فهم المعطيات السياسية المحيطة، بل والتهيؤ العملي في التعامل معها، في إطارها المحلي (التركي) والإقليمي (الشرق أوسطي) والعالمي (العلاقة مع أوروبا وأميركا).
وهي معادلة استطاع النموذج التركي من خلالها أن يؤسس لنمط جديد في علاقاته، يقوم على قدر من العلاقة السياسية الجديدة، والتي وإن احتفظت بقدر مهم من جوهر العلاقة التي تربطها بحلفائها الاستراتيجيين في الغرب، إلا أنها تطرح في الوقت ذاته قدرا من الانفصال العقلاني عن النموذج القديم الذي لا يدخل تركيا ضمن تحالفات وكتل استراتيجية، بقدر ما يعطيها منعطفها الجديد أدوارا استراتيجية مهمة على الصعد الثلاث سابقة الذكر.
وهي أدوار باتت تثبت مع مرور الوقت أهمية هذا التحول، ليس بالنسبة لتركيا وتنامي أدوارها الإقليمية والعالمية، وإنما بالنسبة لحلفائها التقليديين، بل إن هؤلاء قد باتوا يوكلون لها أدوار فتح الأبواب الموصدة أمامهم من قبل قوى الممانعة العربية والإيرانية.
فالاختلاف الأميركي التركي حول ملفات علاقة تركيا مع سوريا وإيران و«إمارة» حماس الإسلامية في غزة، لم يؤثر سلبا في علاقات تركيا بالولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. كما أنها لم تدفع نحو تغيير موقع تحالفات تركيا الاستراتيجية التقليدية، والانتقال من «الكتلة المحافظة» التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، إلى «كتلة الممانعة» التي تضم ـ كما يقولون ـ سوريا وإيران وجماعات الإسلام السياسي واليسار القومي في المنطقة العربية.
كما يقدم النموذج التركي، مهما قيل عن ثقل الضابط العسكري في العلاقة الداخلية، صورة عن فهم مهم للحالة السياسية الداخلية التركية والعالمية، وهي أن الإيمان الديني لحزب العدالة والتنمية الحاكم، لم يتعارض مع الطبيعة العلمانية للدولة القائمة فيها. بل إنهم لم يعودوا، كما كان أربكان، مشحونين ككل الإسلام السياسي العربي والباكستاني والإيراني، بهم تديين وأسلمة الدولة وتقييد الحياة العامة.
كما أنهم في سياساتهم الاقتصادية والمدنية قد تجاوزوا، ليس فحسب «العصبوية الدينية» التي عليها الإسلام السياسي العربي والإيراني، بل وتجاوزوا في ذلك كل الجماعات الليبرالية والعلمانية الأخرى التي جاءت إلى حكم تركيا في العقود الماضية.
فالجماعة السياسية الجديدة، رغم موقفها الحازم عسكريا من الجماعات الكردية الانفصالية، إلا أن موقع الأكراد كجماعة إثنية داخل السياق السياسي والاجتماعي والثقافي التركي، قد دفعهم للبحث عن مداخل جديدة لإدماجهم في العملية السياسية القائمة. بل وفي الالتفات لدرجة الإهمال والنسيان التي عانت منها المناطق التركية في ظل حكم العسكر والجماعات القومية التركية، وأن يمتد ذلك لفهم روح المناكفة والعناد الكردي على أنه نتاج لتراكم ممارسات خاطئة للحكومات التركية السابقة، وكذلك أن تتضمن حكوماتها تمثيلا لكل الجماعات الإثنية الأخرى في المجتمع التركي.
وأن يكون الأرمن والمسيحيون وغيرهم من الأقليات الدينية التركية، هم الأكثر تصويتا وتأييدا للنهج التركي الجديد، فإن ذلك في حد ذاته يعكس مدى التحول الذي جاءت به الجماعة الإسلامية التركية، والتي تجاوزت من خلاله كل تابوهات الجماعات الإسلاموية العربية.
أنها بحق حالة لم يكن بإمكانها أن تحقق هذا النهوض الاقتصادي الذي شهدته تركيا في العقد المنصرم، وأن يكون لها هذا الدور البارز والجديد في محيطها الإقليمي، دون تلك الجسارة الفكرية والسياسية في تجاوز كل تابوهات الجماعات الإسلاموية العربية، في ما يتعلق بالعلاقة مع المختلف في الداخل والخارج، وفي العلاقة مع الغرب الأوروبي الأميركي كمركزية سياسية واقتصادية ومعرفية لا يمكن تجاوزها، وفي الولوج نحو إقامة نمط من الدولة الحديثة، التي تتصالح فيها كل الجماعات وتتقاسم الثروة والمنافع على أسس جديدة ومتساوية.
وهي بهذا تشكل حالة فريدة للإسلام السياسي، لم تقاربها بعد أي من الجماعات الإسلاموية العربية، لانعدام الجسارة الفكرية عند تلك الجماعات من ناحية، ونتيجة كذلك لحالة الأدلجة المفرطة التي باتت تتشكل عليها كل ممارساتها وسياساتها نحو الداخل والخارج ونحو الآخر المختلف، بأشكاله ومسمياته المتنوعة. إنها حالة قد باتت تحكمها في بعض المواقع والمستويات، سياقات الثقافة الدينية التي تحكم كل سلوكنا وممارساتنا نحو المختلف والآخر.
كاتب بحريني