زحف التهويد على القدس الشرقية، مزمن ومنهجي. لكن لم يسبق له أن كان بالوتيرة التي يشهدها اليوم. هجمة تفريغ المدينة من أهلها الفلسطينيين، جارية على قدم وساق. وكأنها في سباق مع الزمن. حتى الصحافة الإسرائيلية تتحدث عن عملية التذويب هذه، بلغة كاشفة.

وحسب ما كشفته، فإن العمل يجري؛ لتحقيق هدفين عاجلين: تغيير الميزان الديموغرافي، لصالح اليهود؛ وقطع شرايين العلاقة الجغرافية بين الشق الشرقي من القدس والضفة الغربية. المستغرب، أن الاستنفار والتصدّي؛ فلسطينياً وعربياً؛ ليس عند المستوى المطلوب.

وكأن هناك حالة فراغ في مواجهة التفريغ. والملفت أن آخرين، وبالتحديد الأوروبيين، بادروا إلى إطلاق صرخة التحذير والدعوة إلى لجم هذا الزحف. بل تحركوا لاتخاذ مواقف تردّ على النهب الإسرائيلي. أصحاب الشأن يتفرجون، أو ما يشبه؛ فيما الأجانب يتحركون. مفارقة لا تخطئها العين.

استخدمت إسرائيل وسائل متنوعة، لاقتلاع الفلسطينيين من القدس. شراء وهدم بيوت، مصادرة وقضم أرض، فتح أنفاق، إقفال مؤسسات، تهديد المسجد الأقصى والتعجيز في رخص البناء. في المدة الأخيرة، يجري التركيز على سحب الهويات الزرقاء الخاصة بالمقدسيين.

وسيلة لجأت إليها في السابق، لكن بدرجة ثانوية، نسبياً. في آخر سنتين، ضربت الرقم القياسي، في هذا المجال. سحبت ما يزيد على نصف ما سحبته منهم ـ أكثر من ثمانية آلاف وخمسمائة بطاقة ـ طوال عقود الاحتلال الأربعة. النسبة تضاعفت أكثر من عشرين مرة. إسرائيل تتعامل معهم على أساس أنهم «مهاجرون»، أو مقيمون وليسوا مواطنين.

إلغاء إقامتهم تحصل بدون علمهم أحياناً. مخزون الذرائع الإسرائيلية الخبيثة، لا ينضب. لا حسيب ولا رقيب. تقرير أعده قناصل الدول الأوروبية في القدس، حسب الصحافة الإسرائيلية، سلّط الأضواء على هذا الموضوع؛ وكان وراء المبادرة السويدية، بخصوص القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية.

بالإضافة، تواصل إسرائيل باقي الطرق المعروفة لتطفيش الفلسطينيين من القدس. وحتى التعليق الممسوخ لبناء المستوطنات، بدأت حكومة نتانياهو تتراجع عنه؛ قبل أن يجف حبره. صدّقت على البناء في مستوطنتين، خلال يومين.

أن يفطن الغير، كالأوروبيين، ويبادروا لتدارك الأمر ولو كعلاقات عامة؛ فإن ذلك يرمي كرة هذا التفريغ الخطير، في الملعبين الفلسطيني والعربي.