ظل المجتمع الدولي يتخذ موقف المتفرج تجاه معاناة الشعب الفلسطيني - هذا في أحسن الأحوال، أما في الأسوأ وهو كثير فكان يساند ضمنا اسرائيل، أو هو عاجز عن وضع حد للممارسات الاسرائيلية المستمرة والجائرة منذ اكثر من اثنين واربعين عاما.علما بأن هذه الفترة تسقط من حسابها تسعة عشر عاما انقضت على نكبة فلسطين الأولى عام ١٩٤٨، وما واكبها من قيام اسرائيل وتشرة مئات الألوف من ابناء شعبنا في ديار المنافي والشتات.
خلال هذه المدة الطويلة سجلت القضية الفلسطينية رقما قياسيا من حيث المماطلات الاسرائيلية والتراخي الدولي في العمل الجاد لانهاء الاحتلال، وتسريع حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة. وخلال هذه المدة الطويلة ايضا حصلت كل الشعوب التي كانت واقعة تحت نير الاستعمار على حريتها واستقلالها وسيادتها على اراضيها. هذا في الوقت الذي تجاهل فيه العالم ان هناك شعبا فلسطينيا اكثر من نصف ابنائه مشردون، وبقيتهم يعانون من الحصار ومصادرة الاراضي، وفرض الوجود الاستيطاني عليهم بالقوة العسكرية، ومطالبتهم بأن تكون المفاوضات وحدها هي السبيل إلى التسوية مع اسرائيل.
وحتى عندما قبل الفلسطينيون هذا الخيار ودخلوا مؤتمر مدريد عام ١٩٩١، ثم وقعوا اعلان اوسلو بعد ذلك بعامين، فلم تقف الاسرة الدولية بقوة لدعم مطالبهم العادلة: بل تركتهم وحدهم وهم العزل من السلاح في مفاوضات لا نهائية مع الطرف الآخر الذي يمتلك كل الأوراق، ويملك ما هو اخطر من ذلك وهي القوة العسكرية الباطشة. وبالتالي فهو يخلق على الأرض كل الحقائق الاستيطانية الزاحفة التي غيرت طابع الأرض، ونشرت المستوطنات في طول الأراضي الفلسطينية وعرضها، وأوجدت في الضفة الغربية والقدس العربية كيانا استيطانيا لا يعترف بأي قانون. وبلغ عدد المستوطنين بالقوة فيه ما يزيد عن نصف مليون مستوطن، وهم في ازدياد مستمر.
وحينما جاءت ادارة اوباما لتطالب اسرائيل بتجميد كامل للبناءالاستيطاني، تحدى رئيس الوزراء الاسرائيلي هذا المطلب الأميركي، وواصل المناورة عليه تحت شعارات مثل تلبية الزيادة الطبيعية للمستوطنين تارة، والتجميد الؤقت تارة اخرى، واستثناء القدس من التجميد تارة ثالثة. وكان القصد من ذلك هو كسب الوقت لتوسيع المستوطنات، وابتلاع المزيد والمزيد من الأراضي الفلسطينية، التي لا تزيد مساحتها اصلا عن خمس مساحة فلسطين التاريخية.
هذا الصمت الدولي المزمن تجاه قضية شعبنا يبدو انه بدأ يتبدد تدريجيا: فمع التحرك الأميركي الذي كاد يفقد زخمه نسبيا، أخذنا نسمع عن تحرك اوروبي تقوده دول مثل السويد لتحريك عملية السلام من خلال افعال ايجابية على ارض الواقع. وأحد بنود المبادرة السويدية هو التأكيد على حدود عام ١٩٦٧ عند رسم حدود دولتي فلسطين واسرائيل. وعدم الاعتراف بضم اسرائيل للقدس العربية، بل التحدث عن المدينة باعتبارها ستقسم الى عاصمتين احداهما لفلسطين ولأخرى لاسرائيل. هذا فضلا عن المطالبة بتجميد كامل للاستيطان، وازالة لكل الحواجز الاسرائيلية المتناثرة في الضفة الغربية.
هذا التحرك الذي لم يتبلور بعد في شكله النهائي بحاجة إلى مساندة دولية كاملة وشاملة ليستمر ويزداد قوة، ويصمد في وجه الضغوط الاسرائيلية التي نجحت في عرقلة ،ولو مؤقتة، للجهود الأميركية. واذا كان العالم حريصا على تحقيق السلام في المنطقة واطفاء بؤرة مشتعلة من بؤر التوتر على سطح هذا الكوكب، فان تحويل الصمت الدولي، الذي تواصل عدة عقود ازاء المعاناة الفلسطينية المزمنة، إلى افعال ضاغطة على اسرائيل لانهاء احتلالها هو السبيل الوحيد لنشر الاستقرار والأمن- ليس فقط في الشرق الأوسط، وانما ايضا في العالم كله. ويكفي الفلسطينيين ما عنوه من تجاهل لقضيتهم يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته، ويتحتم عليه لمصلحة جميع الاطراف، بل كل الأطراف، وضع حد نهائي وعاجل له.
