الواقف عند منعرجات القضية الفلسطينية منذ نكبتها الأولى عام 1948 لابد أن يشده هذا الاصرار العربي - الفلسطيني القوي والمستند لحقائق التاريخ ومتكئ على مأثورات وموروثات تضمنتها الكثير من كتب تراثية كتبها عرب الزمان الغابر وتداولتها أجيال حفظت مقاطع منها تؤكد أن القدس الشريف هي منارة كم توقفت قوافل التاريخ عند بابها اعزازا لها وافتخارا بمكانتها العظيمة في قلوب ونفوس المسلمين بمختلف بقاع هذا العالم الفسيح.

وفيما لا تزال اسرائيل تلهث - حتى تقطعت أنفاس أهلها القادمين من فجاج بعيدة - لإيجاد ولو حجراً ينبئ عن أثر لوجودها في تلك البقعة المباركة - وقد فشلت في ذلك -نجد أن الفلسطينيين كانوا صادقين مع أنفسهم ومنسجمين مع ذواتهم في التمسك بأرض أجدادهم الذين رووها بدمائهم الطاهرة وكتبوا على كل ذرة رمل فيها -وبأحرف من خلود - اسم فلسطين والقدس منارتها ومربط خيلها وحلم أجيال ستظل تدفع الغالي والنفيس في سبيل ألا تغيب عن عيونهم يوما هذه الأرض المقدسة المباركة فلسطين وزمردتها الوضاءة ولؤلؤتها المشعة القدس الشريف.

وفي منعطف تاريخي ويعتبر تتويجا حيا لمساع دؤوبة قادها العرب - وهم ممسكون بيد اخوتهم الفلسطينيين -جاءت الأنباء عن اعتزام الاتحاد الأوروبي الاعتراف بأي قرار يعتبر القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية قادمة الأمر الذي رحب به الفلسطينيون استنادا للشرعية الدولية التي لا تعيرها اسرائيل أي اهتمام لذا رأينا كيف أنها سارعت باستنكار وتحذير جدي لجميع دول أوروبا من عواقب مثل هذا التوجه الذي جاء منصفا لحق تاريخي كم حاولت اسرائيل الدوس عليه بحذائها وتغيير ملامحه وتشويه صورته الحقيقية عبر ممارسات تهدف لفرض أمر واقع يجافي الحقائق وذلك من خلال تهويد القدس وتغيير معالمها وتطويقها ببؤر استيطانية لا يعترف بها سوى حكام تل أبيب وحدهم.

وفي خطوة مفصلية وتعد نقطة تحول في مسار القضية الفلسطينية برمتها انتقد- وبوضوح- قرار أعده الدبلوماسيون الممثلون للاتحاد الأوروبي في القدس الشرقية ورام الله سياسة اسرائيل ازاء القدس الشرقية يوصي الدول الأعضاء في هذا الاتحاد بتبني خطوات ترمي لدعم الموقف الفلسطيني ازاء ما يجري في تلك المدينة المباركة ومساندة ودعم وجود السلطة الفلسطينية في المدينة كما ذهب قرار الدبلوماسيين الأوروبيين حدا نادى بضرورة فرض عقوبات صارمة على الأفراد أو الجماعات المتورطة في أنشطة استيطانية تقوم بها عصابات المستوطنين تحت حماية وأعين جنود الاحتلال الاسرائيلي.

بقي أن نلفت إلى أن مثل هذا التوجه الأوروبي يحتاج لدعم عربي قوي ومساندة شعبية ورسمية خاصة انه يجئ في وقت تتعثر فيه المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية وتتداعى أعمدتها التي أقامتها المبادرة العربية بشأن السلام في الشرق الأوسط وتحاول اسرائيل تقويضها عبر سياسة التسويف والمماطلة والمماحكة وفرض واقع ديموغرافي وجيوسياسي في منطقة هي في الأصل جسم غريب فيها وجسد بلا روح تمنحها البقاء أو حق العيش مع من حولها.