دبي قدرها أن تكون دائماً في قلب الحدث، فهي عندما تبني وتشيد محسودة.. وعندما تخطط وتبتكر حلولا لبعض مشكلاتها، مرصودة من كل الساحات.. تتجه إليها أنظار الدنيا في كل خطوة تخطوها، مجرد تصريح لواحدة من شركاتها الكبرى يقول بأنها تريد إعادة تنظيم نفسها بصورة أفضل، وبما يتلاءم ومعطيات وقوانين السوق، ونتائج الأزمة المالية العالمية التي عصفت وعربدت بأسواق المال في العالم، ونتج عنها توقف مصانع وإفلاس شركات تأمين عملاقة في أوروبا، واختفت بنوك أسطورية في أمريكا خلال أيام، وتبخرت صناديق ومحافظ مالية لبلدان أخرى..

بينما بقيت دبي واثقة، تطلق إشارات الاطمئنان والتفاؤل في أشد مراحل الإعصار، واستمرت تؤدي التزاماتها بسلاسة، حتى اقتنع الكثيرون أن دبي في مأمن..

مرت العاصفة الهوجاء وتنفس العالم الصعداء، وبرزت إشارات تعافي اقتصاد العالم بحسب بيانات صندوق النقد والبنك الدوليين. وسط هذه الأجواء المبشرة بالتعافي، ألا يحق لدبي أن تقول، وقد خرجت من عنق الأزمة العالمية الخطرة بسلام: تعالوا نريد أن نراجع وضع شركاتنا، نقيمها ونصلح من بعض هياكلها، تطويراً أو ترشيقاً في بعض الحلقات الإدارية الفائضة عن الاحتياج، بحسب ما هو معمول به وفقا للسياقات والضوابط التجارية؟!

فدبي، أو بالأحرى شركة مملوكة لحكومة دبي، قالت إنها تريد تسديد التزاماتها، لكنها تطلب مهلة لمراجعة موقف الشركة. وهنا انطلقت أبواق التشفي والحقد، من وسائل إعلام لا ترى في دبي إلا أبراجا عالية ومراكز تجارية جلبت عليها الديون!

وتناسى مطلقو تلك الأبواق أن قصة نجاح دبي وتميزها لم تبدأ قبل ثلاث أو أربع سنوات فقط، وإنما انطلقت قبل عقود بقرار من حاكمها الراحل الشيخ راشد رحمه الله، بتوسيع خور دبي وبناء ميناء جبل علي، وهي تتواصل.. تبني وتعمر، تنمو وتزدهر في عهد حاكمها ومبدعها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي استشرف لها المستقبل بأن تكون عاصمة العواصم وست الدنيا، رغماً عن أنف الحاقدين والشامتين. فما من إنسان زارها أو استقر فيها ولم تبهره هذه المدينة إلى حد الدهشة. إمارة ساحرة في كل شواخصها، امتلكت كل عناصر المستقبل وانفردت بالمكانة وزينت المكان..

مدينة اليقين، وليس الأحلام التي يريد لها إعلام السوء أن تتبخر. نهضت دبي بسرعة قياسية، لم نسمع عن شبيه لها في كل مدن وحواضر العالم المتقدم. إمارة لا تملك النفط، إنما تملكت الإرادة وحجزت مقعدها في قطار التنمية المستدامة، فأنجزت في سنوات ما لم تقدر على إنجازه دول في عقود أو قرون. وهذا هو الذي جعل أبواق الإعلام المغرض وكتاب الحقد، يشرعون في رمي سهامهم الحاقدة على كل شيء جميل في هذه المدينة الحالمة، مدينة اختارت لنفسها شعار التميز في كل شيء.

فبناء وتشييد المدن التي تكون مساحتها بحجم الأحلام، لا تستقيم من غير رؤية متفردة وابتكار خلاق من فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فارس نهضة دبي الحديثة وعنوانها الخالد. فمن ليس لديه عقل نير وشجاعة هذا الفارس، لا يقدر حتى على بناء شارع أو حي واحد في مدينة.. فهنا لا بترول يصدّر، والمناخ قاس مع ندرة في المياه ورمال متحركة، ووسط تلك الظروف ماذا عساه أن يفعل؟ هل تستزرع الرمال من غير مياه أم تنشأ مصانع لا مواد خام لها؟!

لكن دبي بعبقريتها، عرفت كيف تختار طريقها في تثبيت أنموذجها الذي أدهش العالم، وصارت تنافس كبريات المدن والمراكز الاقتصادية العالمية. والتقارير الصحافية التي تتحدث عن ديون دبي، تتجاهل أنها عبارة عن مشاريع وأصول وممتلكات ذات قيمة تراها على الأرض، فهي ليست ديونا وإنما استثمارات لها مردود اقتصادي عاجلا أم آجلا.

أليست هذه هي الشفافية التي تحسب عنصر قوة لا ضعف، أن تعلن شركة ما مقدار التزاماتها للبنوك المقرضة؟ وهذه البنوك وفق المسطرة الائتمانية المعتادة، قدمت قروضا لشركة تعرف حجمها ومشاريعها وتراقبها بدقة، وبعكس هذا المنطق فهي الملامة على منح قروض وتسهيلات لا تعرف عنها شيئا «فمن كان منكم بلا دين فليرجمها بحجر»..

إنها حقا دبي، موضع حسد الحاسدين ونصب عين الشامتين الذين غلبهم شر الحسد، لكن هناك ملايين الخيرين والمنصفين في العالم ممن يعلمون ما هو الفرق بين الحسد والغبطة.. نعم إنها أعجوبة، ولتخرس ألسنة السوء التي تحاول الانتقاص من دبي وتترقب لها ومنها ما يشفي غليلها المعبأ بالكره لكل إبداع ونجاح.

ونحن أمام شأن اقتصادي، هل علينا أن نقرأ لأقلام ترسل لنا سهام اللؤم والغيرة أم نستمع إلى أهل المال والاقتصاد والأرقام الذين يعرفون مكانة دبي وأهمية ما أنجزته، لتصبح قبلة السياح ومقصد رجال المال والفرص الطموحة؟

فعندما يتحدث أحد أكبر البنوك العالمية مثل بس، يجب أن يصمت كتاب الشائعات، فلغة الأرقام هي التي تعلو كلمات الشماتة والتخيلات المريضة. فمؤسسات العالم المالية ما زالت واثقة ومؤمنة بقصة نجاح دبي، هذه المدينة التي حققت في فترة وجيزة مشاريع متنوعة وأرست لها بيئة استثمارية جاذبة، كل شيء فيها مدهش. ودبي تتربع على عرش أكثر من أربعين ميناء ومرفأ في قارات العالم، نوعت وتنوعت فلا خوف عليها أبدا، ومن يبني كل تلك المشاريع العظيمة كيف لا تترتب عليه التزامات لا تساوي خمس ما تمتلكه من ثروة!

وقوة دبي ليست في أموالها وأبراجها وناطحات السحاب فيها، ولا في مرافقها أو موانئها، إنما تكمن قوتها في عقول أبنائها المبدعين، وهم سيواصلون زحف التميز والانطلاق يحدوهم فكر وابتكار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، هذا الفارس العربي القادم إلينينا من المستقبل الوضاء..

إن من أبدع كل هذه المنجزات وصاغ بعناية هذه الأسطورة، قادر ببساطة أن يجعل هذه الزوبعة الإعلامية خلف ظهر دبي، رغم خيالات الموتورين والمرجفين..

عدتك العوادي يا دبي، وبارك الله بفارسك عالي الشأن والهمة.. فوالله إني لأراك يقينا تهزئين من كل الشامتين والحاقدين، وتنشرين الفرح والأمل أمام كل من تملّكه حبك وأسَرَته محبتك، فأسوارك عالية وعصية على سهام البغضاء والإنكار.. ومثلما يقول المتنبي: على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتأتي على قدر الكرام المكارم.. وليحفظ الله دبي.

كاتب عراقي

Al.dulaimi@hotmail.com