يبدأ الاحتجاج الشعبي بمسيرات سلمية. ترد السلطة بحملة قمع عنيفة.. تتحول المسيرات السلمية إلى مظاهرات شغب. تلجأ السلطة إلى استعمال الرصاص فتسيل الدماء أنهارا. عندئذ تتحول الحركة الاحتجاجية إلى ثورة مسلحة منظمة وواسعة النطاق. تتنازل الطبقة الحاكمة العليا عن الحكم وتؤول السلطة إلى قيادة التنظيم الثوري.

هنا تبدأ مرحلة جديدة: تتدافع العناصر والكوادر الثورية بالناب والمخلب، للتكالب على المناصب والمنافع والغنائم السلطوية بكافة درجاتها. من ثم ينبذ الثوار شعارات الطهر والكفاح ضد الظلم والاستغلال، إيذانا بتدشين مرحلة الفساد الشامل.

الأمثلة وافرة في سجلات التاريخ، القديم والمعاصر. لكننا نتوقف الآن عند أحدث نموذج، وهو ما يجري في جمهورية جنوب إفريقيا على أيدي الثوار السابقين في حزب »المؤتمر الإفريقي«، الذي قاد ثورة الأغلبية السوداء على مدى عقود زمنية متصلة، إلى أن انتصر على الأقلية البيضاء العنصرية.

جاء انتصار الثورة المسلحة قبل نحو 15 عاما، حين توصل قادتها إلى اتفاق مع قادة الأقلية البيضاء الحاكمة، يتولى حزب المؤتمر بموجبه سلطة الحكم. والآن صارت جمهورية جنوب إفريقيا على رأس قائمة الأنظمة الفاسدة في القارة، حيث تعم ممارسات الفساد للإثراء الشخصي الحرام، كافة طبقات الخدمة العامة من أدنى مستوى إلى مستوى القيادات العليا.

تقول تقارير الصحافة الغربية إنك إذا قمت بزيارة إلى البلاد، فستدرك من الوهلة الأولى أن كل شخص ذي نفوذ كبير أو صغير، متورط في نوع من أنواع الممارسة الفاسدة. رجال الشرطة يطلبون من أصحاب السيارات علنا دفع رشوة، عوضا عن إلزامهم بدفع الغرامة القانونية عن مخالفة ما. ملفات قضايا جنائية تختفي من المحكمة، مما يضطر القاضي إلى شطب القضية. عقود حكومية مع شركات، لا توقع ما لم تدفع الشركة رشوة للموظف الكبير صاحب التوقيع. أجهزة التدقيق الحسابي في حالة فوضى، بحيث ان أموالا حكومية ضخمة تختفي.

مؤخرا فاز في الانتخابات الرئاسية أحد قادة حزب المؤتمر، على أساس شعاره الرئيسي بمحاربة الفساد، خاصة على المستويات العليا. لكن جاكوب زوما، كانت قد وجهت إليه قبل الانتخابات اتهامات فساد. وقصة زوما ما هي إلا واحدة من قصص العديد من المسؤولين الذين يتبادلون فيما بينهم اتهامات بالفساد. الظاهرة مؤسفة حقا.. لكن مما يضاعف الأسف أن كافة الفاسدين والمفسدين، هم من الكوادر السابقين لحزب المؤتمر، الذين خاضوا غمار الثورة الوطنية المسلحة ضد حكم الأقلية البيضاء العنصرية.

ولعل أشد الناس أسفاً وألماً في البلاد، هو نيلسون مانديلا الرمز الأكبر والأعظم، الذي عاش ما ينيف على ربع قرن وراء القضبان في جزيرة معزولة عن العالم. لقد أشعل مانديلا الثورة من أجل تحرير الغالبية الإفريقية السوداء من تسلط عنصري تمارسه أقلية بيضاء.

ولكن ما هي النتيجة النهائية ما يراه مانديلا الآن هو أن الأغلبية الإفريقية لا تزال تعاني حالة اضطهاد عام، رغم سقوط حكم الأقلية البيضاء. فالاضطهاد تمارسه شريحة نخبوية من السود أنفسهم. إذن ما فائدة التحول الذي طرأ على جهاز السلطة وما قيمة الثورة والكفاح المسلح الذي امتد لعشرات السنين لا شك أن مثل هذه التساؤلات الموجعة ترد على ذهن نيلسون مانديلا وتؤرقه صباح مساء، وهو يرى الملائكة تتحول إلى شياطين.

لا ينبغي أن نندهش إذا اتضح أن مانديلا يستشعر شيئا من ندم على ابتداره الثورة الوطنية، خاصة وهو يدرك أن الطبقات الفقيرة التي تشكل الغالبية السوداء، كانت أفضل حالا من حيث المستوى المعيشي في عهد حكم الأقلية البيضاء مما هي عليه الآن في ظل حكم وطني خالص.

ويبقى السؤال الأعظم: لماذا يحدث هذا بكلمات أوضح: لماذا ينتكس بعض الثورات عند الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة لماذا تتبخر القيم الثورية السامية المبنية على اعتبارات الطهر والنقاء والإيثار، لتحل محلها نوازع الجشع والتكالب على الغنائم

سجلات التاريخ تفيدنا بأنه في كل حركة ثورية نوعان من العناصر القيادية: نوع يتمتع بالقيم الأخلاقية العليا، وآخر لا يحركه سوى دوافع الانتهازية الذاتية الدنيئة. وبالتالي فإن تغلب نوع على الآخر عند مرحلة الحكم، هو الذي يقرر مصير الثورة وتوجهها أما صوب الخير أو صوب الشر.

كاتب صحافي ـ سوداني

opinion@albayan.ae