الاحتفال بالعيد الثامن والثلاثين للاتحاد وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، تحقيقا لحلم الوحدة بمبادرة واعية من خالد الذكر المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه خالد الذكر المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وإخوانهما حكام الإمارات، لم يعد احتفالا شعبيا وطنيا إماراتيا على امتداد الإمارات السبع من أبوظبي إلى الفجيرة فقط، بل أصبح احتفالا شعبيا عربيا على امتداد أقطار الوطن العربي كله من عمان إلى موريتانيا.
ذلك لأن احتفال شعب الإمارات بعيد الاتحاد كل عام، يكتسب أكثر من معنى ينبغي الوقوف أمامه بالفرح والدرس معا.. بالفرح لأنه حقق من الإنجازات ما فاق أكثر الأحلام الوطنية طموحا.
وبالدرس لأنه قدم تجربة وحدوية عربية ناجحة في مشرق الوطن العربي في الخليج، أثبتت حقيقة الوحدة بين الشعب العربي الواحد من المحيط إلى الخليج، وأن الاتحاد العربي ممكن إن لم يكن هو الممكن الوحيد أمام شعوب الأمة العربية في هذا العصر، لتجاوز ما تعانيه من تجزئة واحتلال وتخلف، إلى ما تتطلع إليه شعوبنا من وحدة وحرية وتنمية. لقد جاءت هذه الخطوة الاتحادية البعيدة النظر بتأسيس الدولة الاتحادية الإماراتية، في الطريق لتأسيس الدولة الاتحادية العربية الكبرى.
استجابة لإرادة الله الذي يأمرنا بالتوحيد والاتحاد، ولإرادة الشعب العربي الذي يتطلع إلى تحقيق أمل الوحدة، واستجابة لنداء التاريخ الذي يدعونا إلى تصحيح واقع التجزئة، الذي فرضه الاستعمار على الخريطة الإسلامية والعربية، بعدما كنا أمة في دولة واحدة ودولة في أمة، واستجابة لضرورة الاتحاد الذي أصبح صيحة العصر في العالم من حولنا، وبوصلة اتجاه حركة التاريخ، ليس استجابة لتحديات الحاضر فقط، ولكن تأمينا لبناء المستقبل الآمن أيضا.
فنحن نعيش عالما لا يعترف بالكيانات الصغرى ولا يأبه بها، ولا يحترم إلا الأقوياء ويفرض سيطرته على الضعفاء، ويتجه كله من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه نحو بناء اتحاداته الكبرى.
على الرغم من اختلاف لغاته وعاداته وقومياته، وتجاوزا لكل التاريخ الطويل من حروبه وعداءاته، لأن القوة لا مفتاح لها سوى الوحدة، ولأن التقدم والنماء لا يحققه إلا تكامل الأجزاء، ليست الإقليمية فقط بل القارية أيضا. »فالاتحاد الأوروبي» بدأ بخطوة صغيرة في شكل اتفاقية اقتصادية بين دولتين فقط هما ألمانيا وفرنسا، رغم ما كان بينهما من حروب تاريخية طويلة ودامية.
ورغم ما بينهما من اختلاف اللغة والثقافة، لكن وعي الدول الأوروبية المتقدمة وشعوبها الحية انتقل بالاتحاد الأوروبي من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التمكين، ومن مرحلة التمكين إلى مرحلة الانطلاق، وقدمت للعالم أول اتحاد اقتصادي وسياسي قاري شعبي ورسمي، عابر للحدود والأيديولوجيات والقوميات، ليس لأوروبا الغربية فقط، ولكن للشرقية أيضا، لتفرض على خريطة القوى الكبرى في العالم قوة عملاقة تضم سبع وعشرين دولة متحدة!
و»الاتحاد الإفريقي» بدأ مرحلة التأسيس بمبادرة عربية إفريقية، ومع إعلان ميلاده في دوربان بجنوب إفريقيا، وتوقيع وثيقة تأسيسه في سيرت بليبيا في 9/9/99، بحضور قادة كل الدول الإفريقية السبع والخمسين على أرض عربية، وهو يتخذ طريقه نحو استكمال بناء مؤسساته وهياكله وآلياته.
وأنجز نصف الطريق إلى تشكيل حكومته الاتحادية بعد أن أتم بناء مفوضياته، متجاوزا كل التقسيمات العرقية والمنازعات والحروب الحدودية والأهلية، سعيا نحو تحقيق هدفه النهائي بقيام الولايات المتحدة الإفريقية، جنبا إلى جنب مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية ومجموعة الآسيان في آسيا «وميركو سور» في أميركا الجنوبية، وغيرها من التجمعات الإقليمية والقارية.
وفي ظل هذا الواقع العالمي الاتحادي، فإن الدول العربية، اقتداء بالتجربة الاتحادية الإماراتية التي أثبتت جدواها ونجاحها ورسوخها، بعد أن تجاوزت مرحلة التأسيس والتمكين وهي تعيش مرحلة الانطلاق نحو آفاق العصر، مطالبة بتفعيل اتفاقيات التكامل الاقتصادي والدفاع المشترك في ما بينها، وبالتكامل والتضامن مع الدول الإسلامية والإفريقية، التي تمثل العمق الاستراتيجي وتشكل الحزام الأمني من حول الوطن العربي.
كاتب مصري