لقد مرت السنوات، وكأنها أيام، أيام جميلة في ظل الدولة الاتحادية.. لقد تحقق حلم الأجداد والآباء في إيجاد وحدة بين الإمارات العربية. ولا شك أن هذا النموذج للوحدة، هو حلم كل العرب منذ القرن الماضي، بعد أن لعب العديد من القوى دوراً في ترسيخ سياسة فرق تسد. كان المطلوب ضرب المسمار في نعش هذه الأمة، إلا أن الإيمان بوحدة المصير، وأنها الطريقة الوحيدة للعودة إلى الأصل، مهما حاولت تلك القوى، جعل من تلك الوحدة حقيقة تقوى وتتعزز كل يوم.

كان من محاسن الأحداث، والتطور السياسي والاجتماعي، والاقتصادي، أن برز للوجود ذلك الإنسان القادم من العين، وذاك القادم من زعبيل دبي.. قائدان كانا يحملان حلم شعب، وأمل أمة، جمعتهما زرقة البحر وصفاء سماء الصحراء وبساطة المواطن العادي الذي لا يناور، قيادات تاريخية في مرحلة حرجة من مراحل الأمة العربية والإسلامية.

كان ذلك الاجتماع بداية لمرحلة حققت الوحدة، كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كما شقيقه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، كانا مؤمنين بأهمية قيام كيان اتحادي بين الإمارات السبع، بل كان طموحهما في وحدة دول الخليج كافة، إلا أن الظروف في ذلك الوقت حالت دون ذلك.

كان البعض يراهن على عدم استمرار الكيان الجديد، اعتماداً على حال التشاؤم السائدة بعد فشل الوحدة بين سوريا ومصر في ظل قيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، إلا أن الإصرار على خلق دولة قوية منذ البداية كان هاجس حكام الإمارات، آخذين بعين الاعتبار أن الاتحاد هو المنقذ لهذه المنطقة، والتي تعرضت لجميع أشكال التشتت من القوى العالمية، منذ البرتغاليين إلى مرحلة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، إلى اتفاقية سايكس ـ بيكو التي أجهضت قيام دولة عربية بعد التحرر من السلطنة العثمانية، إلى زرع إسرائيل لتفصل بين أجزاء الوطن العربي وبين شعوبه وقواه الحية.

كانت البدايات صعبة جداً، إلا أن الإرادة السياسية، وبمساندة شعبية، تخطت كل الصعاب، فتم وضع الدستور، وخلق آليات جديدة في مجتمع بسيط. كان المجلس الوطني الاتحادي، وفتح الباب واسعاً لتعليم أبناء الإمارات.

كانت نسبة الأمية مرتفعة، إلا أن الوضع الحالي يؤكد على أن تلك الظاهرة تلاشت وللأبد، بل كانت الخطوة الرئيسية محاربة أمية المرأة في الإمارات، وهذا الاهتمام من الوالد المؤسس، هو الذي جعل نسبة طالبات الجامعة، وأقصد بها جامعة الإمارات العربية المتحدة، تتزايد باستمرار إلى أن أصبحت كل أربع طالبات يقابلهن طالب واحد.

ولعل توجهات القيادة السياسية في ظل مكمل المسيرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، جعل من مشاركة المرأة في العمل السياسي نموذجاً واضحاً، وبتأكيد من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حينما شاركت المرأة في الوزارة الاتحادية، نموذجا للإرادة السياسية التي تطبق الدستور من دون تمييز بين المواطنين في العديد من الأمور.

في هذه اللحظة، أتذكر ذلك اللقاء التاريخي بين الوالد وأبنائه من أساتذة الجامعة في قصر الخزنة. كانت المبادرة من سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وللمرة الأولى يلتقي المؤسس بالجيل الذي تعلم نتيجة لتوجهات المغفور له بإذن الله تعالى، في ذلك اللقاء كانت المرة الأولى التي نلتقي فيها مع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، أطال الله في عمره. كان لقاء بين القيادة ونتاجها من استثمار المال في الإنسان.

الآن أدرك تماماً أن الدولة الاتحادية قد ساهمت في بناء الإنسان الاتحادي من خلال التعليم، وكان الجميع يدرك ما قامت به القيادة التاريخية للشيخ زايد منذ أن كانت في العين، وفتحت أول مدرسة لتعليم البنات، وكانت أم الإمارات تدرك ذلك منذ زمن بعيد.

واليوم ونحن نحتفل بالعيد الوطني الثامن والثلاثين، ندرك أن الآباء المؤسسين كان همهم الأساسي، هو الإنسان، وها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يؤكد على أهمية الاستثمار في تطوير الإنسان، فكثير من الدول لديها النفط وثروات أخرى، إلا أن الإنسان في الإمارات يدرك أن الثروة في خدمة الإنسان.

أحداث جسام مرت على الإمارات وشعبها، كان كثير من الطامعين يرون فيها أن الاتحاد ماض نحو نهايته.. حروب اشتعلت في المنطقة، وصراعات كبيرة شبت، وتدخلات قوى خارجية مؤثرة وفاعلة تمت، عرضت المنطقة وأمنها للخطر، بعضها كان يستهدف كيان الوحدة، ولكن الإمارات عبرت تلك الأحداث التي لم تزدها إلا تماسكاً ومتانة.

ومع بروز الأزمة المالية العالمية في العام الماضي، والتي أرخت بظلالها الموجعة على أقوى اقتصاديات العالم، حاول البعض أن يستغل الأزمة وأن يلعب على محاولة زرع الشقاق بين أبناء الشعب الواحد، الماضي الواحد، والراهن الواحد، والمستقبل الواعد الواحد.. تحدث هؤلاء عن أبوظبي ودبي، وكأننا نعيش في عالمين مختلفين!

ولكن قيادة الإمارات أثبتت، فعلاً لا قولاً، أن الإمارات أكبر من الأراجيف. وعندما دخلت الأزمة منحنى التراجع، قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إنه «آن لتلك الأصوات أن تصمت»، لأن هذه اللعبة قديمة ولن تنجح مع قيادة الإمارات وشعبها.

إن شعب الإمارات اليوم يحتفل بالذكرى الثامنة والثلاثين لقيام الدولة وتجديد البيعة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، وهو أكثر قوة وتماسكاً، وإن الإمارات ستظل الآن وفي الغد دولة واحدة مزدهرة، في ظل قيادة تعمل لمصلحة شعبها وأمتها.

رحم الله المؤسسين، وبارك الله في مكملي المسيرة.. وكل عام والاتحاد بخير.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

almutawa_mohammed@hotmail.com