حين تزور بلدا لأول مرة، تتشكل انطباعاتك الأولية عنه مما يحدث لك في مطاره، ثم مما تراه من نافذة السيارة التي تقلك لمكان إقامتك. وأتذكر أنني في زيارتي الأولى لدولة الإمارات العربية المتحدة عام 2005، لفت انتباهي أن الإجراءات في المطار لم تستغرق وقتا طويلا، وخلت في الواقع من التعقيدات. لكن، لعل ما سوف يظل في ذاكرتي دوما، هو ذلك الذي دار في ذهني بعد أن انطلقت السيارة التي تقلني من المطار إلى الفندق.

فما شاهدته من نافذة السيارة جعلني أشعر للحظات وكأنني في الولايات المتحدة الأميركية! نفس الطرق السريعة الواسعة وتخطيط مخارجها ومداخلها وارتباطها بطرق أخرى، ثم البنايات الضخمة الأنيقة. أقمت في الإمارات أياما معدودة، لاحظت فيها الاهتمام الصارم بتنفيذ قانون المرور، وهي مسألة لا بد أن يلاحظها فورا القاهريون من أمثالي، الذين يعانون يوميا من فوضى المرور في عاصمتنا العريقة.

رأيت بنفسي في تلك الزيارة القصيرة، حجم الإنجاز الذي حققته الدولة الشابة. فهو إنجاز حداثي معتبر يشمل، ليس فقط العمران، وإنما الأهم أنه يشمل مجالات التعليم والصحة والبيئة.

لكن انطباعاتي التي خرجت بها من زيارتي لدولة الإمارات، والتي أكدت على معنى الحداثة والمعاصرة، لم تكن تتناقض مع ما كنت أعرفه قبل الزيارة عنها، في ما يتعلق بالجوهر العربي الأصيل.

فأنا مصرية من ذلك الجيل الذي تفتح وعيه السياسي، في مرحلة احتل فيها مؤسس دولة الإمارات العربية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، مكانة كبيرة في قلوب المصريين، وهو لا يزال ـ بالمناسبة ـ يحتفظ بتلك المكانة حتى هذه اللحظة. فالشعب المصري المعروف بذكائه الفطري، أحب صدق الشيخ زايد وحكمته.

فمؤسس دولة الإمارات العربية، كان واحدا من الزعماء العرب الذين تمتعوا بحس عروبي عميق، وحكمة اعترف بها الخصوم قبل الإخوة والأصدقاء. وهو استطاع أن ينقل دولته الشابة إلى مصاف الدول المتقدمة، من خلال التخطيط الدقيق واتخاذ القرارات السليمة في الوقت المناسب.

لكن الحقيقة تقتضى القول إن مصر كانت تحتل مكانة كبيرة عند الشيخ زايد، فبادله المصريون حبا بحب. فلا ينسى المصريون أبدا أن دولة الإمارات العربية المتحدة، الدولة الوليدة التي كانت قد وقعت دستورها في ديسمبر 1971، هي أول دولة تعلن الحظر البترولي عن الولايات المتحدة الأميركية في حرب أكتوبر 1973. وكان دعم الإمارات لمصر في تلك المرحلة قويا وواضحا.

وحين وقع الرئيس أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد وما تبع ذلك من مقاطعة عربية لمصر، كان لدولة الإمارات مرة أخرى دور بالغ الأهمية في لم الشمل العربي.

لكن دور دولة الإمارات في حياة المصريين لم يتوقف عند مجرد حدود الدبلوماسية، فقد ساهمت الإمارات جديا في مشروعات تنموية عديدة في مصر.

ولعل الحي الذي تحول إلى مدينة كاملة اسمها مدينة الشيخ زايد، هو واحد من تلك المشروعات العملاقة التي تبناها الشيخ زايد بنفسه. هذا فضلا عن عشرات المشروعات الأخرى التي تحمل اسمه في مصر، تأكيدا على تخليد ذكراه ولتظل تحمل لدى الشعبين المصري والإماراتي، معنى العلاقة الوثيقة التي تربطهما.

غير أن المعاني التي تجلت في علاقة دولة الإمارات بمصر، هي في ظني مفاهيم حاكمة تمثل مفاتيح السياسة الخارجية لدولة الإمارات. فالاهتمام بإصلاح الشأن العربي الذي تجلى في موقف الإمارات بعد المقاطعة العربية لمصر، يبدو ركيزة ثابتة في السياسة الخارجية، ولعله هو الذي جعل دولة الإمارات تلعب دورا مهما في مصالحات عربية عدة.

وهو أيضا، ربما، الذي دفع بالإمارات لتلعب دورا مهما في نشأة مجلس التعاون الخليجي، الذي يمثل تجربة مهمة من تجارب العمل العربي المشترك. ولعل إعطاء الأولوية للتنمية البشرية والإنجاز الاقتصادي، هو الذي صنع سياسة خارجية متوازنة اتسمت، على وجه الخصوص، بالحكمة البالغة في إدارة العلاقة مع طهران رغم أزمة الجزر الثلاث.

لكن الأهم من ذلك كله هو شعب الإمارات نفسه. ففي زيارتي الوحيدة للإمارات، كنت حريصة على التواصل مع الأهالي، وليس فقط الأكاديميين الذين عادة لا يشكلون عينة ممثلة لأي شعب. لمست في شعب الإمارات كرما طائيا ومودة آسرة، ما زال بعضهم يغمرني بها من خلال رسائل القراء على بريدي الالكتروني. لكن فضلا عن ذلك، لفت انتباهي ذلك الإحساس العميق عند الإماراتيين بالتفاؤل بالمستقبل.

كنت أسألهم عن شعورهم إزاء الإنجاز الذي حققته بلادهم في فترة زمنية قصيرة للغاية، فأجدهم يعبرون عن فخرهم بتواضع جم، ثم ينطلقون فورا ليحدثوني عن آمالهم بالنسبة للمستقبل، لا عما حققوه فعلا حتى الآن. وكان العام يختلط بالخاص، لكن القاسم المشترك في ما سمعته، كان يتعلق بالتعليم. فمن أهم تلك الآمال بالنسبة للمستقبل، كان دائما مستوى التعليم الذي ينشدونه لأبنائهم.

عندئذ فقط فهمت لماذا يتمتع شعب الإمارات بذلك الإحساس العميق بالتفاؤل. فأنت حين يكون التعليم هو الأول على قائمة أولوياتك ويأخذ كل تلك المساحة من تفكيرك، فلا بد، بالضرورة، أنك على الطريق الصحيح في التخطيط للمستقبل. صحيح أن الإنجاز العمراني مهم، لكن دون الاستثمار في البشر لا يوجد تطور حضاري ولا يوجد أمن قومي.

تحية من القلب لشعب الإمارات في عيده الوطني.. وتمنياتي له بدوام الرفعة والتقدم.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com