الأوقات العصيبة تحتاج إلى رجال حكماء ليسردوا الحقيقة، ولسنوات عدة كان هذا هو ما طبقه وارن بافيت الملقب بحكيم أوماها. فعلى سبيل المثال، كان بافيت واحدا من الذين أطلقوا التحذيرات من خطر الأدوات المالية المعروفة باسم المشتقات، وحذر في عام 2003 من أنها قنابل أسلحة الدمار الشامل المالية، التي قد تؤدي إلى انهيار الشركات.

لذلك كانت مدعاة للأسى الشديد، مشاهدة اجتماعه الأخير في قاعة «سي إن بي سي» في المجلس البلدي، مع مجموعة من طلاب الأعمال في جامعة كولومبيا، أعقبه في الليلة التالية إمضاؤه ساعة كاملة في التحدث عن الاقتصاد مع تشارلي روز، وشاهدناه ينضم إلى مختبر إدارة أوباما حول الفوز الاقتصادي الذي شاركت فيه أجهزة إعلام عدة.

وأبلغ بافيت طلاب جامعة كولومبيا أن «الرعب المالي أصبح خلف ظهورنا». وأقر بأن «الاقتصاد لا يزال يزمجر غضبا بالتأكيد»، لكن النغمة التي سادت حديثه كانت تبشر بالخير بصورة غامرة. وواصل بافيت كلامه التشجيعي مع روز مكررا القول: «سيعود الاقتصاد الأميركي إلى سابق عهده..

وأريد التأكيد على ذلك، وستقام الشركات وستتوسع الأعمال التجارية». وأضاف: «لم نخرج من المستشفى بعد، ولكننا سنخرج ونتعافى.. فقد حدث ذلك في القرن التاسع عشر والقرن العشرين في أوقات متفرقة، وكنا دائما نخرج بصورة أقوى من السابق». وتابع: سوف يكون هناك بعض الصدمات الدائمة من بعض الأنواع، ولكن في ما يتعلق بالخروج منها فلست أشعر بالقلق على الإطلاق.

قد تبدو كل هذه الأقوال المشجعة على ما يرام لو رافقها بعض الأفكار، أية أفكار تتعلق بالخطوات التي يجب اتخاذها لكي يتعافى الاقتصاد الأميركي ويعود إلى سابق عهده. فالافتراض هو أن ذلك سيحدث على نحو ما، وأن أمواج المد المرتفعة للبطالة والمعوقات وعمليات الإفلاس التي تغرق كثيراً من الأميركيين، سوف تنعكس على نحو ما.

غير أن جوهر الحديث الذي نحتاج إليه حاجة ماسة، كان غائبا. وعوضا عن ذلك أكد بافيت: «سوف نوجد وظائف جديدة، لأن تلك الوظائف تتوفر لدينا دائما». وكدليل على ذلك، أشار إلى الكساد الاقتصادي في مطلع الثمانينات، عندما وصلت نسبة البطالة إلى 10% وكان الناس يشعرون بقلق كبير على الاقتصاد الأميركي.

لكن يبدو أن كل هذه الأقوال تكررت في أكتوبر الماضي، عندما كان وول ستريت يتعرض للتردي، ولم تختف المصانع في ذلك الوقت أيضا، ولا حقول الذرة ولا المواهب الأميركية. ولكن نظرا لأن البنوك هي التي تعاني من الأزمة، فإننا لم نكتف بإلقاء الخطابات الحماسية والتنبؤات الوردية المثيرة للأمل بالنسبة للمستقبل، ولكن عقدنا الاجتماعات التي كانت تستمر طوال الليل، وأحضرنا الشخصيات المهمة وطلبنا منها عدم المغادرة قبل إيجاد حل. وأيضا دفعنا التريليونات من دولارات دافعي الضرائب الأميركيين.

ولكن حتى مع ارتفاع نسبة البطالة إلى المعدل الأعلى خلال 26 عاما، وهو 2, 10% (في الواقع 5, 17%، إذا أضفنا إليه العمال الذين لم يعودوا يبحثون عن عمل أو الذين يعملون بصورة جزئية)، فإننا لا نرى أي شيء يشبه ولو من بعيد، التصرف العاجل والعدواني الذي شاهدناه عندما كانت هناك حاجة لإنقاذ المصارف نفسها.

وعوضا عن رفع بافيت عقيرته التنبئية لإطلاق جرس الإنذار، كما فعل في الماضي، وكما كنا نحتاج بصورة يائسة إليه لفعل ذلك، قام بالنفخ بالبوق قائلا: «انظروا وابتهجوا»!

وأفضل شيء يستطيع البيت الأبيض عمله، هو الدعوة لعقد قمة بشأن البطالة وتحديد موعدها الشهر المقبل. لم العجلة؟ فالمصانع لا تزال قائمة، حتى هذه اللحظة على الأقل، وكذلك حقول الذرة.

وعلى الرغم من اعتراف بافيت بأن لدينا 60 مليون أميركي يقيمون مع عائلاتهم، ويبلغ الحد الأعلى لدخلهم 21 ألف دولار أو أقل من ذلك، يبدو على الأقل في الوقت الراهن أن كلامه عن العمل مجاف للحقيقة.

لقد أبلغني أخيرا أحد الأصدقاء من المصرفيين العاملين في الاستثمار، أن بافيت يتحدث بلسان كتابه، فوول ستريت لديه حجة لو قبلها السوق فستدرّ عليك الأرباح المالية. وأرجح في الواقع أن بافيت الذي أودع ثروته لدى مؤسسة غيتس لأهداف خيرية، يعتقد أنه من خلال الدفاع عن الاقتصاد فسوف يحصل على تأثير ملموس. غير أن الاقتصاد الواقعي لا يحتاج إلى فصاحة لسان بهيجة، بل إلى عمل جاد.

لقد تهاوى وول ستريت والاقتصاد الواقعي بصورة متزامنة، لكن الاقتصاد الذي تسبب في هذا الهبوط نال حصة الأسد من المال والرعاية الحكومية، في حين أن الاقتصاد الآخر استمر في الهبوط. ونظرا لأنه كان واضحا بصورة مأساوية أي اقتصاد لفت الأنظار، فنحن بحاجة ماسة وبصورة عاجلة لساردي الحقائق، لكي يشيروا إلى العواقب البشرية الوخيمة الناجمة عن الاستجابة الواهنة للبيت الأبيض.

يروقني أن أذهب إلى لاس فيغاس مع وارن بافيت، ولكن ليس للمقامرة أو للتمكن من اللحاق بحفل ساهر أو عرض جميل. أريده أن يرافقني إلى مدرسة ويتني الابتدائية التي تحدثت عنها محطة «سي. إن. إن»، وقالت إن خزائنها من الموارد لم تعد ممتلئة بأقلام الحبر أو الورق، وإنما بالطعام والملابس. فهذه المدرسة تؤوي عددا كبيرا من التلامذة المشردين، مما جعلها تشعر أن عليها اتخاذ زمام المبادرة للتأكد أنهم يتناولون الطعام ويرتدون الملابس.

إنني واثق أنه نظرا للرأفة والعطف الأسطوري الذي يحظى به بافيت، فإن ما كان سيحدث في لاس فيغاس لن يبقى فيها، بل سيتحول بدلا من ذلك، إلى سياق مناهض للمناورة الرسمية.

صحافي أمريكي متخصص في الشؤون الاستراتيجية

Writersalbayan.ae