كغيرها من الألعاب، قد تكون مباريات كرة القدم عامل تقريب أو تفرقة بين الشعوب والدول، وحتى الأمم والحضارات. في العالم الغربي كثيراً ما لعبت كرة القدم دوراً سلبياً في العلاقات الدولية. الأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها توتر العلاقات بين إيطاليا وبريطانيا على إثر اشتباك بين أنصار الفريقين في الثمانينات من القرن الماضي، راح ضحيته عشرات القتلى من الإيطاليين. محلياً في كل دولة عادة ما تنشب نزاعات بين أنصار الفرق الرياضية، من السهولة بمكان أن تتطور لتصبح دموية.

لذلك بات على الأجهزة الأمنية المسؤولة أن تكون على قدر من الوعي والمعرفة المسبقة، لاتخاذ الإجراءات الوقائية الكفيلة بعدم تطور الأمور. الفرق الرياضية وأنصارها يعملون مثل قنابل موقوتة قابلة للانفجار حال البدء في المباريات وأثناءها، وطبعاً فيما بعد انتهائها. على قيادات أجهزة الأمن والمعنيين، التنبه واتخاذ كل ما من شأنه منع تصعيد المواقف لدرجة الانفجار، الذي قد يصبح مفتوحاً على كافة الاحتمالات، خاصة الأكثر عنفاً ودمويةً.

أخذت مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر التي عُقدت في السودان مؤخرا للتأهل لكأس العالم، أبعاداً إضافية فاقت حتى المعهود محلياً ودولياً. أولاً، بدأت الاضطرابات بما افتعلته مجموعة من المشاغبين الذين يعدّون على الأصابع. هؤلاء كان من الأجدر على جهاز الأمن في الدولة المضيفة، أن يقوم بمراقبتهم منذ اللحظة الأولى لدخولهم الدولة ومدرجات الملعب.

إعلامياً، بدأ استغلال مجريات الأحداث من قبل مجموعة من المتربصين بالشعوب والدول العربية، جماعات وكلاً على حدة. بالذات قامت وسائل الإعلام المعروفة بغلوائها الطائفي المذهبي والعرقي العنصري، باللعب وعلى الهواء مباشرة، على كل ما من شأنه أن يؤجج الموقف ويدفع في اتجاه التصعيد إلى آخر حد ممكن. للأسف تلاقي وسائل الإعلام المغرضة هذه من يصغي إليها من العامة والدهماء، وحتى الطبقة المتعلمة والمثقفة.

تم توجيه اتهامات علنية ومبطّنة تخص الدين والعنصر والعرق والمذهب والهوية الوطنية. ولو كانت في أيدي هؤلاء أسلحة يوزعونها على الأطراف المتناحرة لفعلوا ذلك. بطريقة أو بأخرى، كشفت تلك المجموعات عن أنيابها وطبيعتها القابلة للاستئجار والاستثمار في اتجاه الأسوأ.

على المرء أن يتصور فضائية تقوم بإعادة بث صورة أو فيديو مثير للمشاعر، عشرات المرات مع ما يرافق ذلك من تحريض متعمد لشعب كامل على شعب كامل آخر. يكون التحريض تارة باسم الوطنية، وأخرى باسم القومية، وتارة باسم كرامة الفرد والمجتمع والتاريخ والحضارة.. وهلم جراًّ.

الهدف النهائي هو دق أسافين في الصفوف الوطنية والقومية، وعبر الدول. ذلك ما يكمل الحملة الخارجية الهادفة إلى تمزيق الأمة والدول والشعوب والحضارات. حقيقةً لا غرابة في ذلك، فالمادة الإعلامية التي تشد الانتباه لتلك الفضائيات ووسائل الإعلام المثيرة للاهتمام، قد نفدت. لكن يظل المشاهد العربي على درجة من الوعي، ليدرك الغث من السمين في مثل هكذا حالات.

هنالك بعض السياسيين من الجانبين، ممن رأوا إمكانية التوظيف السياسي. الأسباب كثيرة، وأهمها الغايات والأهداف الدفينة المزروعة في نفوس هؤلاء. هؤلاء إما من ذوي المنهجيات المثيرة للشبهات من الأساس، أو من الذين يودون استغلال هكذا أحداث لكسب أنصار جدد في انتخابات برلمانية قادمة. ألعاب لا يمانعون أن تدفع الجماهير والشعوب من لحومها ودمائها وعظامها، ثمناً غالياً لها. ينسى هؤلاء أو يتناسوا، أنه ليس باستطاعة مجموعة قليلة العدد مشاغبة، تمثيل شعوب يصل تعدادها عشرات الملايين.

تحتاج العلاقات بين مصر والجزائر، شعبياً وحكوميا، سنين قد تكون طويلة قبل رأب الصدع وعودة الأمور إلى طبيعتها. هنالك علاقات مميزة بين مصر والجزائر، معمّدة بتاريخ من الدعم للكفاح حتى التحرر من الاستعمار الفرنسي. من غير المعقول أن يقوم نفر معدودون على الأصابع، بركل تلك العلاقات بأقدامهم في ملعب لكرة القدم، في إحدى ضواحي مدينة الخرطوم. من غير المعقول أن يتربص أبناء الوطن الواحد بعضهم ببعض في مواقع الغربة، إضافة إلى التربص الإقليمي والثقافي والتربوي والحضاري، إذا جاز التعبير.

يمكن أن تكون نتائج مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر عبرة للآخرين، خاصة من القائمين على الأجهزة الأمنية. بات على كل جهاز أمني أن يعرف أن ألعاب كرة القدم والألعاب الأخرى، قادرة على أن تصبح مادة دسمة على أفواه فضائيات ووسائل إعلام مجموعة من المأجورين والمندسين والجهلاء والغوغائيين.

هؤلاء سيسرقون ما تبقّى للمواطن العربي من دعة واستقرار وطمأنينة، ويقذفون به في جحيم الفتن والفوضى والتخلف والتحسب لما هو أسوأ. في ذلك، على المعنيين إعادة النظر في السماح لتلك الأبواق بالاستمرار، عن طريق الإبقاء على تراخيصها سارية المفعول أو حتى وقفها نهائياً. باتت حرية الكلمة هذه تستخدم لأهداف شريرة، تسعى إلى تمزيق الأمة والعبث النهائي بمصيرها.

وإذا كان من كلمة أخيرة للمواطن العربي، فإنه حقيقةً بات عليه أن يعرف إلى أية وسيلة إعلامية يصغي، ومن ثم يثق بالمادة المبثوثة على موجتها العاملة ليلاً نهاراً، وعلى مدار الساعة والسنة.

عليه أن يدرس تاريخها وأهدافها وممولها ومحررها وإدارتها. ليس كل ما تنقله وسائل الإعلام تلك يمكن تناوله وساجترارهس، تشبّهاً بالقائمين على وسيلة الإعلام تلك. على المواطن العربي أن يعرف أنه أمام حملة عسكرية سياسية إعلامية ثقافية، تستهدف وجوده الحضاري، وبشكل نهائي لا تراجع عنه.

قسم العلوم السياسية ـ جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae