بعد عشر سنوات من التفكير، من أجل أن يصبح الاتحاد الأوروبي أكثر فاعلية وتأثيراً على مسرح السياسة الدولية، وبعد أن تمت المصادقة على معاهدة لشبونة التي تزود الاتحاد الموسع بمؤسسات جديدة، اختار زعماء الدول والحكومات ال27 في قمتهم الأخيرة التي عقدت في بروكسيل يوم 19 نوفمبر الماضي، قياديين مجهولين لتولي أهم المناصب السياسية في العالم. رئيس الاتحاد الأوروبي:

رئيس الوزراء البلجيكي هيرمان فان رومبي (62 سنة)، ووزير خارجية الاتحاد: رئيسية السلطات الصحية في هيرتفورد شاير، كاترين أشتون (53 سنة)، التي لم تنتخب أبداً، ولم تتول أي منصب وزاري، وتنقصها الخبرة في مجال الدبلوماسية.

وعلى الرغم من تلميع أسماء أوروبية معروفة في السابق لتولي أرفع المناصب في الاتحاد، أمثال فيليبي غونزالس رئيس الحكومة الاشتراكية الاسبانية المتميز لمدة اثنتي عشرة سنة، والمعترض عليه طوني بلير، مُجَدِّد حزب العمال البريطاني والمنتخب ثلاث مرات لرئاسة الحكومة البريطانية، والمتكتم جداً اللوكسمبورغي جان كلود يونكر، وجه أوروبا الدائم..

فإن أيا من هذه الأسماء لم يتم اختياره. ومع اختيار هاتين الشخصيتين غير المعروفتين للأغلبية من سكان الدول الأعضاء لإعطاء وجه جديد للاتحاد الأوروبي، يعم التشاؤم في الأوساط الأوروبية، ولا سيما أن المتشككين في مشروع الاتحاد الأوروبي وإمكانية تحوله إلى دولة عظمى، يعتقدون أن الزعماء الأوروبيين اجتمعوا واختاروا هيرمان فان رومبي وكاترين أشتون، في كنف الغموض وعدم الشفافية، وهو أمر يتنافى مجدداً مع الممارسة الديمقراطية التي تقتضي استشارة رأي الشعوب الأوروبية..

المحللون الأوروبيون يعتقدون أنه ليس من باب الإساءة، القول إن رومبي وأشتون غير معروفين في أوروبا، وغير معروفين كليا على الساحة الدولية. وليس من باب الإساءة التأكيد أن تعيينهما، الأول في منصب رئاسة الاتحاد الأوروبي، والثانية في منصب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد، يعكس تقنية التعيين الغالية جداً لدى زعماء ال27، والتي هي غير متلازمة للبناء الأوروبي: أي اختيار القاسم المشترك الأصغر جداً، أو الحل الأقل اضطراباً، والبحث عن المورِّثة الأدنى للذوات الوطنية من بعضهم بعضاً.

لقد أرادت معاهدة لشبونة التي دخلت حيز التطبيق هذين المنصبين. فالاتحاد الأوروبي هو بمنزلة مثلث له ثلاثة أضلاع وثلاثة مراكز سلطوية: المجلس الأوروبي الذي يجمع رؤساء الدول والحكومات ال27، المفوضية الأوروبية التي يرأسها البرتغالي جوزيه مانويل باروسو، وأخيراً البرلمان. ويتداول في الوقت الحاضر على رئاسة المجلس، رئيس دولة أوروبية بالتناوب كل ستة أشهر، أما تمثيلية الاتحاد في الخارج فيتقاسمها المفوض والمنسق الأعلى الأوروبي.

ويشكل هذا المجموع من السلطات قيادة غامضة للاتحاد الأوروبي، وغير محددة الهوية في الخارج، وعاجزة عن التحدث بصوت واحد، أو تقديم وجه أوروبا عبر العالم. ويتساءل الأوروبيون أنفسهم، كيف يمكن للاتحاد الأوروبي الذي يتقاسم سلطته بعض الأقطاب الكبيرة، أن يتحدث مع الولايات المتحدة الأميركية أو الصين أو الهند؟

يعلق الرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان في مقابلة له بصحيفة لوموند 21/11/2009)، على هذا الموضوع بقوله: عندما بحث الأميركيون عن شخصية لقيادة دولتهم الجديدة، اختاروا الرجل العظيم في الولايات المتحدة: المنتصر في حرب الاستقلال، رئيساً مؤسساً. وعلى النقيض من ذلك، لم يختر الأوروبيون جورج واشنطن أوروبيا حسب رأي المثاليين.. فقد اختاروا شخصية غير معروفة وذات مواصفات توافقية.

هيرمان فان رومبي سيتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي، ليس لمدة ستة أشهر وإنما لمدة سنتين ونصف، قابلة للتجديد مرة واحدة. وهو أوروبي مقتنع، وحازم. وفضلا عن ذلك، فإن الزعماء الكبار في أوروبا، أمثال الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية والآخرين، لا يريدون رئيسا قوياً، بل فضلوا هذا الديمقراطي المسيحي الخبير في التوافق.

أما الارستقراطية العمالية البريطانية الليدي أشتون، القريبة من توني بلير، فهي تولت هذا المنصب لأنها امرأة ومن يسار الوسط، وهما معياران لهما أهميتهما في النظام الجديد لأوروبا. وعلى هذا الثنائي الجديد، أن يتعلم من الآن فصاعداً كيفية قيادة مجموع أوروبا.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org