يبدو أن الأمور في لبنان قد بدأت تتّجه نحو المنحى الجدي الذي يطمح إليه كثيرون، على الأقل في ما يخص مقاربة المواضيع الحساسة وبدء المجاهرة بالدعوة للعمل من أجل إلغاء الطائفية السياسية.
وحسنا فعل رئيس مجلس النواب نبيه بري بإطلاق شعلة النار خلال هذه الفترة الجدية من تاريخ لبنان الحديث، لأن تقاذفها بين الأفرقاء المعنيين سيكشف كثيرا من الأوراق ويوضح الرؤية بشكل أفضل. وكما علّمتنا التجارب دائما، فإن ثمة حاجة ماسة في بعض الأحيان لطرح القضايا الحارة، من أجل وضعها تحت الضوء، وبالتالي إطلاق عجلة النقاش الجدي من أجل إيجاد الأجوبة المناسبة، هذا إذا كان فرض الحلول متعذرا لسبب أو لآخر.
الموضوع بلا شك حساس، ويفترض جرأة كبيرة لطرحه في أي ظرف زمني، فما بالك إذا تم طرحه في وقت يسعى فيه الوطن لإيجاد نفسه، من خلال العمل على تقريب وجهات النظر بين فرقائه المتباعدين بشكل خطير، حول طريقة الانتماء والتفكير في القضايا المصيرية! وإن دلّ ذلك على شيء فإنه يدل على احتمال قرب فتح الملفات الجدّية التي تاهت في وقت مضى، بسبب انشغال اللبنانيين في حروبهم ومشاكلهم الصغيرة والهامشية، حيث بات بعضهم اليوم يرى الأمور من منظار أسلم، لأن المرحلة تتطلب ذلك حتما.
ويبدو من خلال ردود الأفعال المختلفة على الدعوة التي أطلقها الرئيس بري، أن الساحة اللبنانية مقبلة على اصطفاف جديد، قد يعيد حالة الفرز السياسي بشكل مختلف. وهذه حالة صحية حتما، لأنها ستدفع عجلة التطور قدما، وستكشف للرأي العام سلسلة من الأمور التي ستساعده على توضيح موقفه حيال القوى السياسية القائمة، والبرامج الكثيرة التي اعتمدت عليها في السابق لتجييش الوضع اللبناني بكافة تفاصيله.
وهنا تكمن أهمية الصورة الماثلة أمامنا، والتي ستتكشف ملامحها بشكل أدق مع اكتمال عناصر التجاذبات السياسية، لأن ما سينبلج عن هذه التطورات سيكون حاسما في تقرير بوصلة الحركة السياسية المقبلة في لبنان، إن كان على صعيد تقاسم السلطة والنفوذ بين القوى الفاعلة، أو على صعيد تقرير التطور المقبل للوطن بكامل التفاصيل المعنية.
وهنا لا أعتقد أن أحدا سيكون بمنأى عن تأثيرات هذه الحركة الفكرية الثورية، لأنها بكل بساطة ستفرز القوى بشكل واضح، بين من يرغب البقاء والعمل فعليا من أجل الوطن كلّه، بما يختزنه من فئات وتيارات على اختلاف توجّهاتها، وبين تلك التي لا تكون قادرة على الاستمرار إلا في ظل الخيار الطائفي والمذهبي الضيّق.
وبرغم خطورة هذا الوضع وما سيفرزه من تبعات على النسيج الاجتماعي اللبناني المشوه، إلا أن التجارب الكثيرة التي تراكمت وضخّت الحياة في شرايين لبنان على امتداد تاريخه، أثبتت أن الوقت قد حان لطرح القضايا الحساسة بكل جدية ومسؤولية، لأنه لم يعد ممكنا مقاربة الأمور بغير هذا المنطق.
ومن هنا تحديدا أهمية الدعوة لتشكيل الهيئة الوطنية التي ستوكل إليها مهمة العمل من أجل إلغاء الطائفية السياسية، والتي يفترض أن تكون دعوة صادقة ومخلصة لاستكمال عملية بناء الوطن، وفق الأسس المتفق عليها من خلال ما يعرف باتفاق الطائف، أو بالاستناد لغير ذلك من التفاهمات الثنائية الكثيرة القائمة بين بعض القوى السياسية.
والواجب الوطني يفرض على الجميع أن يتعاملوا مع هذه الدعوة بكل تجرّد وموضوعية، وإكسابها منطق المسؤولية، نظرا لما تختزنه من أمل كبير لمصلحة بناء الوطن العصري والسليم، أي ذلك الوطن الذي سيمثل الأجيال الصاعدة، التي سئمت هشاشة الانتماء المجسّد في ممارسات الأحزاب والقوى السياسية المختلفة.
إن المرء يعجب في الواقع من ردة الفعل السلبية لبعض القوى السياسية في لبنان، على دعوة الرئيس بري. ولعل أسوأ تفسير لحالة الرفض التي لازمت بعض الفعاليات، قد صدر عن تلك المصرّة على تقوقعها في دائرة الانتماء الطائفي والمذهبي الضيق، لاعتقادها، عن حق، أن هذا الانتماء هو أساس وجودها أصلا، وبالتالي فإن أية دعوة لإلغاء الطائفية السياسية في لبنان هي بمثابة دعوة لإلغاء نفسها كليا.
الغريب في ما يجري حاليا في لبنان، هو حالة الفرز الجديدة التي قسّمت القوى السياسية الطائفية، ولا أقول العلمانية، بين من هو مؤيد لاستكمال بنود اتفاق الطائف، وتحديدا ما يخص إطلاق مشروع إلغاء الطائفية السياسية، وبين رافض لذلك بالمطلق. وهذا أمر فريد يستحق التوقف عنده والتمعّن في حيثياته، أخذا بعين الاعتبار الانتماء المذهبي لتلك القوى التي أتحدث عنها.
حيث يبدو أن الجرأة في طرح هذا الموضوع معكوسة في المواقف التي صدرت عن القوى الشيعية تحديدا (حركة أمل وحزب الله) ومن يتحالف معها، في حين أن الطرف الرافض أو المستهزئ بذلك الطرح (القوات اللبنانية والكتائب وربما غيرها)، يصر على ربط هواجسه بمصير الطائفة المسيحية عموما، ومدى تأثرها السلبي بعملية الإصلاح الجذرية المتمثلة في إلغاء الطائفية السياسية.
وهذا أمر خطير حقا، لأنه يحاول وضع الأمور في غير نصابها الصحيح، من خلال الإصرار على وضع قوى في خانة المستفيد من إلغاء هذه الحالة الطائفية الشاذة، وحصر أخرى في خانة المتضرر من ذلك.
وإذا استمر التعاطي مع الوضع على هذا النحو، فإنه سيشوّه جوهر عملية الإصلاح السياسي التي يتوق إليها اللبنانيون، وسيحوّل الأمل المنشود إلى نذير شؤم مكروه، ضمن الصورة العامة المشوهة أصلا.. وذلك ما لا نرجوه.
كاتب لبناني
