الجدل الذي يزحم الأفق السياسي العراقي هذه الأيام بشأن قانون الانتخابات، يعيد إلى الأذهان حال الاحتقان التي سادت بين مختلف الكتل العرقية قبيل إجازة الدستور في أكتوبر من عام 2005.

وفي ذلك الوقت انخرط كبار مسؤولي البيت الأبيض في حملة محمومة لحث العراقيين على إجازة الدستور باعتباره يمثل ضمانة لمستقبلهم الديموقراطي. ويبدو أن حماس الأميركيين هذه المرة ليس بذات الدافعية التي كانت في مسألة إجازة الدستور. وربما يعود السبب بشكل جزئي إلى الضغوط التي يعانون منها في أفغانستان، وإلى تركيزهم على استكمال الانسحاب من العراق.

صحيح إن أعمال العنف شهدت انحسارا كبيرا مقارنة بالسنوات الأولى للغزو، ولكن لا يعني ذلك أن المخاطر قد زالت تماما. وما يجري على الساحة السياسية الآن يقرع ناقوس الخطر من فتن محتملة، ومن ثم فإن تركيز الأميركيين الآن وبالدرجة الأولى على الخروج من "المستنقع العراقي" بأي ثمن، من الممكن أن تترتب عليه انتكاسات أمنية وسياسية واجتماعية تطيح بكل ما تحقق خلال السنوات الماضية.

إن تفاقم الخلافات، والذي بدأ يتحول إلى تبادل للاتهامات بين فسيفساء المشهد العراقي، مع تصاعد التوترات بين حكومة كردستان والحكومة المركزية، لن يكون أبدا في مصلحة البلاد. كما أن لغة التخوين التي يتقاذفها النواب بشأن إعادة إنتاج الأزمة والعودة بالبلاد لمربع الحرب، ستعرقل مسيرة تكريس التجربة الديموقراطية الوليدة في بلد يعاني مشاكل جمة ومعقدة.

التوافق على قانون الانتخابات يعتبر خطوة أساسية من ضمن خطوات عديدة يستلزم القيام بها من أجل تجنيب البلاد مخاطر الانزلاق في متاهات جديدة. وهنا يمكن للأمريكيين ممارسة ضغوط حقيقية على مختلف مكونات الطيف السياسي لتحقيق ذلك الهدف.

إضافة إلى ضرورة رأب الصدع بين مختلف الكيانات والطوائف العراقية، والبعد عن حالة الاستقطاب الحاد وخطط المحاصصة. ومن دون رتق الفتوق التي أصابت النسيج المجتمعي يصبح التعويل على إجازة قانون الانتخابات وحده في الخروج من هذا النفق أضغاث أحلام.