للرياضة أهمية في الجوانب الصحية والتربوية والاجتماعية، وتهتم بها الدول في مدارسها ومؤسساتها الرياضية، ويصاحب ذلك النشاط سلوك تفرضه أخلاقيات الرياضة، التي تربي عليها الناشئة في المدرسة والشباب في النوادي الرياضية وغيرها، وهذه تشمل الرياضيين والجمهور المعني بالرياضة والعاملين في مجالها.
والرياضة، بالإضافة إلى أهميتها في الحفاظ على صحة الشباب، تساهم في تهذيب سلوكهم، وبطريق غير مباشر يساهمون في بناء مجتمعاتهم. لكن ما يحصل في مباريات كرة القدم الشعبية من إثارة لنزعات التعصب القطري الإقليمي بين الدول، لا يخدم ثقافة ونهضة وحضارة تلك الدول.
والمسألة لا تقف عند حد الاختلاف بين أنصار فريقي كرة القدم لبلدين متنافسين في هذه اللعبة، بل إلى خلاف وآثار سياسية بين دولتين نتيجة العنف الذي مارسه أو قد يمارسه أنصار اللعبة في البلدين، وهنا تظهر خطورة الموضوع عندما يكون التعصب ظاهرة تؤججها خلافات كروية أو غيرها. ومن المؤسف أن يحدث ذلك بين بلدين عربيين، لهما تاريخ عريق في الثقافة والحضارة والكفاح من أجل استقلال بلديهما مصر والجزائر.
إن مصر أكبر بلد عربي ومهم استراتيجياً، والجزائر أكبر بلد عربي في المغرب العربي ومهم استراتيجياً، فكيف نسمح لهذا التعصب أن يؤثر على العلاقات بينهما بسبب اختلاف حول مباراة لكرة القدم؟ وكيف تصاعد ذلك الاختلاف استجابة لشحن إعلامي هنا وهناك؟!
نعرف أن دولاً وحكومات عربية وغير عربية تستخدم جماهيرية هذه الكرة سياسياً، للتغطية على مشكلات سياسية واقتصادية محلية، لكن المحزن أن ينساق المتعلمون والمثقفون وراء ذلك الشحن الإعلامي، دون الوعي بمخاطر ذلك التعصب الكروي. إن مثل تلك الأحداث المؤسفة تحدث في العديد من الدول، ولكن سرعان ما يتدخل العقلاء لاحتوائها والسيطرة عليها وتجاوز آثارها وتداعياتها، إلا في الدول المتخلفة والنامية فإن مثل تلك الأحداث تطغى على أولويات التنمية والبناء ومحاربة الفساد!
إن المشاهد المنصف لمباراتي الفريقين في القاهرة والخرطوم، يقر بأن الفريقين لعبا مباريات رائعة كمقدرة فنية وقدما أفضل ما لديهما، واستمتع المشاهدون بأداء جيد قدمه الفريق المصري والفريق الجزائري، وكنا سنفخر بهما لولا الأحداث المؤسفة التي واكبت المباراتين وأعقبتهما، المشكلة أن المعنيين بالشأن الرياضي والمسؤولين الحكوميين في الدولتين، لم يتحركوا لاحتواء تداعيات الأحداث التي وقعت.
كما لم تتحرك الجامعة العربية في الوقت المناسب لاحتواء ما يمكن أن يؤثر على العلاقة بين البلدين العربيين. قد يرى البعض أن أحداثاً كهذه لا ينبغي أن نعطيها حجماً وأهمية كبيرة، لأنها تحدث في كل مكان وآثارها مؤقتة.
لكن مشكلة العرب تكمن في الفعل ورد الفعل، وعدم الاهتمام بمثل هذه الإشكاليات التي قد تترتب عليها مشكلات كبيرة وخطيرة، وأننا نترك الأمور تتفاعل حتى يصعب حلها، في الوقت الذي كان في الإمكان السيطرة عليها وتجاوزها، لو تحركنا بهدوء للتهدئة وتغليب المصلحة القومية العليا على مثل تلك الخلافات الكروية وغيرها.
لم ندرك بعد أن لعبة كرة القدم أو غيرها من الألعاب، فيها فائز وخاسر ولا يمكن أن يفوز الفريقان، وأن الروح الرياضية التي يجب أن يتحلى بها اللاعبون والجمهور المؤيد لهم، تتطلب تهنئة الفائز وقبول الخاسر للنتيجة، فهذه اللعبة أو غيرها لن تغير وجه التاريخ، ولا يجب أن يفسح المجال لاستغلال هذا الحدث ليوظف سياسياً عن طريق الشحن الإعلامي.
وسؤالنا: هل نحن في العالم العربي نحتاج مزيداً من الأزمات حتى يأتي الخلاف الكروي ليضيف إلى أزماتنا أزمات أخرى؟ إن العالم العربي مثقل بالمشكلات والحروب الأهلية والفساد والتخلف، فهل نستثني الرياضة من الوضع العام في بلداننا؟
لقد قال الإعلام الإسرائيلي بعد أحداث الشغب والخلاف الكروي المصري الجزائري، إنهم يتمنون أن تحدث مباراة لكرة القدم بين فتح وحماس في الأرض الفلسطينية.. ماذا يعني ذلك؟ إنهم فرحون بخلافاتنا وصراعنا، فقد اختلفنا على كل شيء، حتى كرة القدم لم تسلم من الخلافات، لتستغل وتوظف لتأجيج وتعميق الأزمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لم يبق أمام الفضائيات والصحافة إلا الاتصال بالخبراء في الرياضة وغيرها، لإبداء رأيهم فيما حصل بين مصر والجزائر، ومن هو المخطئ والمتسبب في الأزمة وكيف حلها، وقد أبدى بعضهم رأيه كما يبدي آخرون رأيهم في الأحداث السياسية وغيرها!
أين عقلاء البلدين؟ لماذا لم يتحركوا لاحتواء الأزمة في بدايتها قبل أن تتطور وتؤثر سلبياً على العلاقات بين البلدين؟
إننا نحب البلدين مصر والجزائر، ونقدر دورهما التاريخي في خدمة بلديهما والأمة العربية، ونتمنى لهما الخير، ويؤلمنا أن تؤثر مباراة لكرة القدم على العلاقات بينهما، ولا نريد أن نلوم أياً منهما، فالمهم اليوم هو تهدئة الخواطر ومبادرة الحكومتين لاحتواء ما حصل، وعودة العلاقات إلى ما كانت عليه، وتفويت الفرصة على من يريد استغلال الخلاف. ومن المؤكد أن في البلدين الشقيقتين من لا يريد خلافاً، لأن مصالحنا مشتركة ومصيرنا مشترك.
كاتب كويتي