نعتقد أنه حتى لو لبى الفلسطينيون والعرب شروط نتانياهو وباراك وليبرمان وبن أليعازر وغيرهم، المتعلقة باستئناف المفاوضات العبثية، وحتى لو وافقوا على الدولة الفلسطينية المؤقتة المحجمة المجردة والمقطعة الأوصال، وحتى لو اعترفوا ب«اسرائيل دولة يهودية»، وحتى لو لبى العرب شروط إسرائيل ومطالبها المتعلقة بالتطبيع الشامل مقابل «لجم الاستيطان»، فإن إسرائيل لن تلتزم بالمطالب الفلسطينية العربية الدولية بوقف الاستيطان وبمشروع الدولة الفلسطينية، إلا إعلاميا استهلاكيا تضليليا، بهدف كسب الوقت وبناء المزيد والمزيد من حقائق الأمر الواقع، ذلك أن الاستيطان هو العمود الفقري للمشروع الصهيوني برمته، فإذا انكسر الاستيطان ينكسر المشروع الصهيوني.

لذلك يقف الفلسطينيون والعرب ـ كما يفترض ـ مجددا أمام خطاب حربي جديد لنتانياهو، فحينما يعلن في مؤتمر صحافي عن قرار «المجلس الوزاري المصغر» ب«تعليق الاستيطان جزئيا لعشرة أشهر في الضفة الغربية باستثناء القدس»، فهو يراوغ ويخادع، لأن الحكاية من أولها إلى آخرها أكذوبة ومماطلة وكسب للوقت، والغاية من ورائها إرضاء الإدارة الأميركية والأوروبيين ظاهريا، ورمي الكرة في الملعب الفلسطيني لتحميل الفلسطينيين، كالعادة، مسؤولية الرفض، وإعادة استحضار «لا يوجد شريك فلسطيني»..!

ونظرا لأن نتانياهو لا يمكنه أن يخرج من جلده، أضاف قائلا: «إن القرار يخدم مصالح إسرائيل العليا..»، متعهدا بأن «تستمر الحياة الطبيعية ل300 ألف مستوطن في الضفة الغربية، وبأن لا يتوقف بناء الكنس والمدارس الدينية والمرافق العامة الضرورية خلال فترة التعليق».

بيني بيغن كان الأوضح والأصدق في ما وراء القرار الذي اتخذته حكومة نتانياهو بشأن ما يزعم أنه «تجميد الاستيطان»، حيث قال: «إن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر لم يقرر في جلسته تجميد البناء في الضفة الغربية، وإنما فرض قيودا على تصاريح بناء جديدة»، مضيفا: «الأشهر العشرة القادمة سوف تشهد بناء آلاف الوحدات الاستيطانية»، ولو كان الأمر على غير ذلك، لما أيده بيغن ولقامت قائمة اليمين والمستوطنين، ولربما اهتزت أركان الحكومة.

كما أن وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان أعلن أن «الكرة أصبحت الآن في الملعب الفلسطيني، بعد إعلان إسرائيل عن تعليق أعمال البناء في المستوطنات لمدة عشرة أشهر»، موضحا، وهذا الأهم، في تصريحه أن «آخر شيء يجب أن يهمنا الآن، هو رد الفعل الفلسطيني على القرار الأخير، وان المستوطنين وأصدقاء إسرائيل في العالم أهم من ذلك».

إلى ذلك فإن كل وزراء حكومة نتانياهو المؤيدين والمعارضين للقرار، إنما يلعبون أدوارهم المرسومة في هذا السياق، فهذه حكومة الإجماع السياسي الإسرائيلي على مواصلة تهويد واختطاف الضفة والقدس، فكيف يمكن أن يخرج نتانياهو من جلده إذن؟! وكيف يمكن أن تتخلى حكومته عن مشروعها الأساسي؟!

يزعم المحلل أليكس فيشمان في يديعوت أحرونوت (26/11/2009) تحت عنوان: «ملزمون بإنقاذ أبو مازن»: «إن تجميد البناء في المستوطنات هو أنبوب أكسجين آخر من أجل إحياء «الأفق السياسي»، الذي بدونه ستنهار السلطة الفلسطينية، وهذه ليست مسألة إحساس تجاه أبو مازن، أو قصة حب فجائية بين حكومة إسرائيل والعملية السياسية، فحتى الأيدلوجيون المتعنتون من بين وزراء الكابنيت، أدركوا أنه لا مفر، وأنه ينبغي القيام بكل جهد للحفاظ على الاستقرار في المنطقة»، مضيفا: «حتى أولئك الذين يعترضون على تقديم تنازلات سياسية للفلسطينيين، يدركون أنه يتوجب عليهم كسب الوقت، وكسب الوقت يعني ترميم العملية السياسية مع الفلسطينيين ».

وكان أليكس فيشمان نفسه قد شرح، في يديعوت أحرونوت أيضا (2008912)، ما أطلق عليه «القانون الحديدي» موضحا: «الأميركيون أيضا يبدأون في فهم القانون الحديدي الذي تجذر منذ أوسلو: السياسيون في الشرق الأوسط ملزمون بإجراء مفاوضات، ولكن من المحظور عليهم الوصول إلى الهدف، التفاوض يعني البقاء والحكم، أما اتخاذ القرارات فيعني الموت السياسي، والوصفة الموثوقة لضمان حياة طويلة للسياسيين هي مفاوضات عقيمة» ولذلك طالب وزير التجارة والصناعة الإسرائيلي الجنرال بنيامين بن أليعازر ب«جر رئيس السلطة محمود عباس (أبو مازن) لطاولة المفاوضات مع إسرائيل بالقوة».

مضيفا: «لا أريد أن أخرب الأمور، ولكن الوضع الذي نتواجد فيه ليس جيدا، فيجب البدء في العملية السياسية بالقوة، فإذا كان أبو مازن لا يريد التفاوض معنا يجب دمج طرف ثالث، ومن ثم جر أبو مازن بالقوة للمفاوضات، وحينها ليقل الطرف الثالث بأن الفلسطينيين ليسوا على استعداد للتحدث معنا، وليس نحن من نقول بأننا لا نريد التفاوض» (15/11/2009)!

وكان نتانياهو أعلن من قبل: أريد أن أقول من هنا، من على منصة الكنيست، لكل شعب إسرائيل إن الليكود يسعى لتحقيق السلام، ولكن التاريخ أثبت أن السلام يتحقق انطلاقا من القوة وليس من الضعف»، وذهب نتانياهو أبعد من ذلك مؤكدا «لا بديل عن استمرار السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية». ووجه رسالة للعرب قال فيها: «لن تستطيعوا هزيمتنا طالما بقينا فوق جبال الضفة الغربية، ونحن لا يجب علينا أن ننسحب من هضبة الجولان، بل علينا البقاء فيها».

الجنرال شاؤول موفاز، كان أوضح لمجلة نيوزويك جوهر السياسة الإسرائيلية، قائلا: «السبيل الوحيد لإجبار الفلسطينيين على العودة إلى طاولة المفاوضات السياسية (ضمن الشروط والصيغ الإسرائيلية) وترك العمليات، هو كسر إرادتهم واستعدادهم للقتال، كي يتسنى لنا أن نقترح الاستسلام عليهم» ـ البروفيسور أرييه أرنون.

وكان البروفيسور اليساري باروخ كيمرلنج (توفي مؤخرا) تحدث عن سياسة «الإبادة السياسية» الإسرائيلية للطموحات والمطالب الوطنية الاستقلالية الفلسطينية، وعن «تدمير مقومات الدولة الفلسطينية المستقلة». فهذا جوهر سياسات إسرائيل على امتداد حكوماتها منذ إقامة ذلك الكيان. ولذلك لا يمكن لنتانياهو أن يخرج عن طبيعته المعروفة، أو البقاء طويلا خلف زي سلام مستعار، فهو رجل الاستيطان والاقتلاع والتهويد..

وحامل لواء المشروع الصهيوني في هذه المرحلة نعتقد حقا أن الكرة في الملعب الفلسطيني العربي، ولكن على نحو آخر غير ما يعتقده ليبرمان، ونفترض أن الفلسطينيين والعرب قد وقفوا على هذه الحقيقة الصهيونية الصارخة، وأنه يتوجب عليهم إعادة صياغة خطابهم وأولوياتهم ومطالبهم، التي تراجعت إلى مستوى «تجميد الاستيطان» بدلا من «إزالة الاستيطان» وتفكيك الاحتلال برمته عن وجه الأرض العربية الفلسطينية.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com