لا أظن أن الإخوة الذين يعدون التقرير السنوي عن «حالة الأمة»، لرصد ما يجري في الوطن العربي من تطورات، سيواجهون هذا العام صعوبة كبيرة في عملهم.. يكفي أن يضعوا الأمة أمام مشهد «معركة أم درمان» وما سبقها وما تبعها من أحداث، لكي نعرف إلي أين وصلنا؟

وكيف تحولت مباراة للكرة إلي كارثة قومية تهدد بالقطيعة الكاملة بين دولتين شقيقتين كبيرتين بحجم مصر والجزائر، وتؤكد عمق الأزمة التي تعيشها الأمة كلها، بعد أن فقدت الطريق والرؤية الصحيحة، وافتقدت القيادة القادرة علي أن تبعث الروح وتجمع الشمل وتوحد الصف وتفتح أبواب الأمل التي أغلقت بفعل فاعل.. قد يكون من الخارج أحيانا، ولكنه يكون منا وفنيا في معظم الأحيان!

أقول ذلك وأنا واحد ممن يتابعون كرة القدم (أو كنت كذلك حتى الآن!)، وممن لا تفاجئهم أحداث الشغب في ملاعب الكرة، بعد أن اكتسبت الكرة في العالم كله أبعاداً تتجاوز الرياضة وترتبط بالبيزنس وتستغل في السياسة. وأقول ذلك وقد عشنا جميعا تجارب عربية كانت فيها الخلافات السياسية بين الأنظمة يتم تصديرها إلى الملاعب الرياضية، حتى أصبح جمع الشباب العربي في دورة الألعاب الرياضية العربية تجربة أليمة عطلت انتظام هذه الدورة، حفاظاً على ما تبقى من علاقات مودة بين شباب العرب!

لكن ما يجري الآن أمر آخر في أبعاده وفي دلالاته.. لقد كان تاريخ اللقاءات الرياضية بين مصر والجزائر وما شابها من توترات وعنف، يستدعي من المسؤولين في البلدين أن يطلقوا المبادرات ويهيئوا الأجواء عند جمهور البلدين، بأن الفائز في كل الأحوال فريق عربي. ولكن المصيبة أن البعض ـ هنا وهناك ـ وضع الفوز والتأهل كإنجاز ينبغي تحقيقه، لأسباب يتعلق بعضها بالصراعات السياسية الداخلية، ويتعلق بعضها الآخر بحاجة الجماهير إلى إنجاز يسعدها، بعد أن عزت الإنجازات العربية في مختلف الميادين.

وهكذا غابت الإدارة السياسية العاقلة للأزمة من بدايتها، وترك الأمر لأداء إعلامي سيئ، وأصبح الرأي العام رهينة لحملات شحن هائلة، حولت الأمر من البداية إلى معركة حياة أو موت، وتحول بعض «كباتن الكرة» بعد اعتزالهم اللعب إلى قادة للرأي العام، بعد أن استولوا على شاشات الفضائيات دون علم وبلا تأهيل..

وتتراكم الأخطاء والخطايا لنصل إلى قمة المأساة: استدعاء للسفراء ومطالبات بإغلاق السفارات ومقاطعة كل دولة للأخرى وطرد رعاياها، واعتداءات بالأسلحة البيضاء ومطاردات في شوارع الخرطوم بعد المباراة الفاصلة، وحصار لأشقاء في بيوتهم وحرق لشركات تعمل لصالح البلدين، وأصوات تتوعد بالمزيد، وأصوات على الجانب الآخر تطلب الثأر للكرامة الجريحة..

والأخطر أن يستمر التصعيد الإعلامي ـ عن جهل أو عمد ـ ليمس الثوابت ويمتهن التاريخ ويسقط في الوحل، حين تصبح حملات الصغار والجهلة في الإعلام الهابط في القطرين، موجهة لإهانة الشعبين الشقيقين، وليصلوا في النهاية إلى الهدف الأساسي: وداعاً للعروبة والعرب، ولتخرج فئران الانعزالية وكارهو العروبة في القطرين من الجحور، وتتصاعد الدعوات المشبوهة للقطيعة العربية.. والأسوأ أن تفاجئنا أصوات عاشت عمرها تتمسك بخطها القومي العربي، بأنها قد بدأت تراجع موقفها!

هل توجد صورة ل«حال الأمة» أوضح من ذلك! خاصة إذا كان في خلفية الصورة عملية تصفية للقضية الفلسطينية تمضي في طريقها، وسودان يتم تقسيمه، ويمن يسقط في بحر الحروب الأهلية، وقوى إقليمية غير عربية توسع مساحات نفوذها في الوطن العربي، ومخططات لإبعاد المغرب العربي عن المشرق، وفصل الاثنين عن الخليج؟!

وبغض النظر عن أن الاستقالة من العروبة أمر مستحيل، فإن السؤال هو: هل ما حدث ويحدث من مآسٍ كان بسبب العروبة أم بسبب الابتعاد عنها والمحاولات المستمرة لضرب كل مشروع قومي تمتلكه الأمة ومنعه من التحقق؟ هل ما يحدث لنا بسبب أننا أقمنا النظام العربي القادر على تحقيق الأمن وقيادة النهضة أم بسبب عجزنا عن بناء هذا النظام؟ وهل حقق المشروع القطري شيئاً حقيقياً في هذا المجال أم أنه يتركنا «على المشاع»، يتنافس على الهيمنة على مقدراتنا من يستطيع؟!

قبل عقود كنت واحداً ممن يرون أن هناك ثلاثة مشروعات على المستوى الوطني، قادرة على أن تقوم بدور «الرافعة» للوطن العربي، وهي مصر والعراق والجزائر. وقد دمروا العراق وأسقطوا الجزائر في حرب أهلية استنزفتها، وحاصروا مصر.. والآن يريدون إنهاء المهمة وتثبيت القطيعة، وإعلان الوفاة الرسمية للقومية العربية.

والوقوف في وجه هذه الضربة القاتلة، لا ينبغي أن يقتصر على المثقفين في مصر والجزائر فقط، إنه مهمة كل العرب.. اضغطوا على الحكام حتى يوقفوا المأساة، وافتحوا كل الأبواب لاحتضان كل نشاط مشترك يزيل حالة الاحتقان بين الشعبين الشقيقين..

إن البعض ـ هنا وهناك ـ يصرخ طلباً للقطيعة، فلنعمل ـ بلا صراخ ـ من أجل اللقاء.. الكرة الآن في ملعبنا، والمطلوب من المثقفين العرب أن يكونوا من اللاعبين، وألا يكتفوا بالفرجة أو حتى بالتشجيع!

كاتب مصري

galal.aref@hotmail.com