أمضى الرئيس الأميركي باراك أوباما عامه الأول على نحو واكبه الحظ بصورة استثنائية. فكل الرؤساء الأميركيين المنتخبين حديثا، يصلون إلى البيت الأبيض معلقين الآمال على تجنب أزمات السياسة الخارجية غير المرئية، التي تلقي بظلال سلبية على أجنداتهم المحلية. وهذا ما حدث للرئيس جون كيندي في عامه الأول، حيث تعثر في خليج الخنازير وفي سور برلين، بينما تعثر الرئيس جونسون في حادثة حليج تونكين وفي أول اختبار صيني للقنبلة النووية. وتعثر الرئيس فورد في سايغون..
بينما جوبه الرئيس ريغان بالأحكام العرفية في بولندا واغتيال الرئيس المصري أنور السادات. وواجه بوش الأب أحداث ميدان السلام السماوي في بكين، بينما واجه الرئيس كلينتون أول تفجير لبرج التجارة العالمي، وأزمة الصومال وانسحاب كوريا الشمالية من معاهدة الحد من الانتشار النووي.
أما بوش الابن فقد واجه أحداث 11 سبتمبر.. على حين تجنب الرئيس باراك أوباما عثرات السياسة الخارجية التي تطيح بتوازن الإدارات الأميركية، ومن المتوقع أن يظل الحظ مواكبا له.
ولدى أوباما من المبررات الكثير للتركيز على المشكلات في الداخل. فقد انخفض معدل الموافقة على استحسان أدائه في ما يتعلق بالاقتصاد الأميركي.. وفي معالجته لكل ما يتعلق بمنصبه.
ويضاف إلى ذلك تعقيدات برنامج الرعاية الصحية، والنشاط البنكي، الطاقة، إصلاح قوانين الهجرة، ورزمة التحفيز المقدرة ب787 مليار دولار، ومعدل البطالة البالغ 2 ,10%، وهو ما يجعل السياسة الداخلية تستقطب اهتمام الرئيس بكاملها. وتحسن إدارة أوباما صنعا بالتحرك العاجل لمعالجة هذه القضايا، في ضوء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس واحتمال تقلص الأغلبية الديمقراطية في مجلسي النواب والشيوخ.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، فإن الهدف كان منع المشكلات المزمنة من أن تصبح مشكلات تستقطب الاهتمام، وضمان أن الصراعات التجارية ذات المستوى المحدود مع الصين، لن تسمم العلاقات الثنائية الأوسع نطاقا. ومن هنا فإن إدارة الرئيس أوباما حرصت على اختيار صراعاتها بعناية، حيث قام البيت الأبيض في إطار تجنبه للمواجه مع موسكو بالانطلاق مجددا بالعلاقات الثنائية، وأبدى أوباما استعداده للحوار مباشرة مع إيران حول برنامجها النووي.
وبقدر يعتد به من الحظ.. برهنت هذه الاستراتيجية على نجاحها. حقا ان الأوضاع في أفغانستان تدهورت، ولكنها لم تتحول إلى مستوى الأزمة الكاملة. والعراق ينطلق نحو الجولة المقبلة من الانتخابات.. والحكومة المدنية في باكستان واصلت الصمود.. وشبه القارة الكورية ليست أكثر خطورة من المعتاد.. والعلاقات مع اليابان تعرضت لاختبار جاد، مع تعلم إدارة أوباما والحكومة الجديدة في طوكيو قراءة الإشارات التي يبعث بها كل طف إلى الطرف الآخر.
ومع ذلك فقد تم تجنب حدوث أي انفجارات.. وركز أوباما على استثمار معظم وقته وطاقته، في تنشيط الاقتصاد ومعالجة برنامج الرعاية الاجتماعية.
ولكن زيارة أوباما للصين مؤخرا، كشفت النقاب عن أنه في عام 2010 لن يكون من السهل الفصل بين التحديات الداخلية والخارجية.. ولا يرجع ذلك إلى أن الزيارة مضت بشكل سيئ، وإنما معظم المعجبين السذج بالرئيس الأميركي ومنتقديه من الحزبين، يذهبون إلى القول إنهم توقعوا أن الزيارة قد تثمر نوعا أكبر من الإنجاز.
فالصين لن تعيد تقويم عملتها، كما أنها لن تراجع موقفها من العقوبات على إيران لمجرد كون الرئيس أوباما متحدثا بارعا. ومع ذلك فإن المنتقدين من مختلف الاتجاهات قد وصفوا الزيارة بأنها فاشلة، لأن الرئيس عاد إلى واشنطن دون تذكارات للانتصار.
ومتاعب أوباما ستمتد إلى ما يتجاوز الصين، حيث يستغرق الأمر شهورا عدة لنشر الآلاف من الرجال المنتمين إلى القوات الجديدة، التي يوشك أوباما على إرسالها إلى أفغانستان، الأمر الذي سيفجر انتقادا مريرا من جانب اليسار الذي سئم الحرب.. وذلك قبل أن يتاح لهذه التعزيزات أن تعطي أي نتائج. كما أن أوباما سيقضي معظم عام 2010، في التفاوض مع حلفاء مترددين حول العقوبات على إيران.
وأخيرا، فإن قمة كوبنهاغن ربما لن تحقق تقدما ملموسا في ما يتعلق بتخفيضات الانبعاثات الحرارية. وهذا من شأنه أن يحول انتباه العالم نحو اندفاع إدارة أوباما إلى إقناع الكونغرس بفرض ضوابط جديدة على الانبعاثات الكربونية الأميركية، وذلك في عام انتخابات وفي وقت حدوث انتعاش اقتصادي بطيء، والجمهوريون والديمقراطيون المحافظون لن يتحمسوا لخطة الرئيس.
والديمقراطيون التقدميون والحكومات الأجنبية، لن يتحمسوا للحلول الوسط التي يقترحها أوباما. لقد صمد الرئيس أوباما في مواجهة عام أول حافل بالضغوط، ولكن التاريخ والعديد من العواصف الدولية التي توشك على الهبوب.. يشيران إلى أن عام 2009 سرعان ما سيبدو أكثر بساطة بالمقارنة مع ما هو آت.
رئيس مجموعة يوراشيا للاستشارات السياسية