قوبلت دعوة فخامة الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية لكافة القوى السياسية والحزبية على الساحة الوطنية للحوار وخلق اصطفاف وطني واسع في مواجهة التحديات الماثلة بارتياح شعبي واسع، خاصة وقد لمس الجميع في تلك الدعوة حرصاً شديداً على إيجاد حالة من التوافق الوطني حيال مجمل القضايا التي تهم الوطن وأمنه واستقراره ومسيرته التنموية والاقتصادية والاجتماعية والخروج برؤية يلتف حولها مختلف ألوان الطيف السياسي والحزبي، وبحيث تكون هذه الرؤية بمثابة خارطة طريق تنتظم في إطارها مسارات العلاقة بين مكونات هذه المصفوفة بعيداً عن المشاحنات وأساليب الكيد والمناكفات الإعلامية التي تسيء لسمعة التجربة اليمنية وتحط من قدرها ومنزلتها لدى الآخرين، ناهيك عن الصورة السلبية التي ترتسم لدى البعض عن الكيانات السياسية والحزبية التي تظهر غير محكومة بأية تقاليد أو مرجعيات تستند إليها في عملها.

وبقدر الاهتمام الذي حظيت به دعوة رئيس الجمهورية للحوار على المستوى الشعبي والجماهيري على الساحة الوطنية، فإن تلك الدعوة كانت أيضاً مبعث اهتمام ومتابعة وسائل الإعلام العربية والدولية التي أفردت لها مساحات واسعة في نشراتها وتحليلاتها وتقاريرها، مستعرضة مدلولاتها وأبعادها والغايات التي قصدتها بهدف تعزيز التشاركية الوطنية في تحمل المسؤوليات ذات الصلة بقضايا الوطن ومجابهة التحديات التي تعترض طريقه بروح المسؤولية الديمقراطية التي توجبها روابط الانتماء على كل أبناء الوطن في السلطة والمعارضة على حد سواء.

وبات من المؤكد أن الجميع سينتظر كيف ستتعامل المعارضة مع دعوة الحوار بفضائها الواسع والمفتوح باستثناء ما يتعلق بالثوابت الوطنية والتي حددها فخامة الرئيس علي عبدالله صالح بثلاثة محددات فقط هي النظام الجمهوري والوحدة والديمقراطية، وما عداها فإن كل القضايا قابلة للنقاش والحوار، إذ أنه ومن خلال موقف المعارضة التي صارت الكرة اليوم في ملعبها سيتحدد في ضوء ذلك مدى جدية هذه المعارضة في التعاطي مع الحوار وهل تعتبر نفسها شريكاً في المسؤوليات الوطنية، أم أنها قد عزلت نفسها عن تلك المسؤوليات وانقطعت عنها متكئة على دورها الرافض لكل جهد تقوم به الدولة والحكومة في إطار ممارسة صلاحياتها الدستورية والقانونية وبرنامجها الانتخابي لمجرد الرفض فقط.

ونعتقد أن من غير المفيد والمجدي لأحدٍ في هذا الوطن أن يظل ذلك الأسلوب يمثل نقطة التقاطع في علاقات الأحزاب بعضها ببعض، خاصة وأن أحزاب المعارضة كما هو شأن الحزب الحاكم معنيان بالتجاوب مع دعوة الحوار لارتباطها الشرطي بتحقيق التوافق وتجاوز معضلات الحاضر وتأمين إيجابية الأداء في المستقبل.

ومن الواضح أن الجماهير سترقب المواقف وتحدد توجهات كل طرف من خلال ممارساته وأفعاله، فمن سيلجأ إلى المماطلة والتعطيل وأساليب الشد والجذب في التعامل مع قضايا تخص الشأن العام سيجد نفسه محاطاً بالإدانة، جراء عدم اكتراثه بهموم الجماهير اليمنية ووضع تلك الهموم خارج نطاق اهتمامه السياسي وأولوياته وأجندته، وهو ما سيفضي إلى انصراف هذه الجماهير عنه وفقدان الثقة به بما يعنيه ذلك من ضرر بالغ على أصحاب المواقف السلبية الذين يهدرون حق المجتمع في الخروج من المنعطفات الشائكة الناتجة عن بعض الممارسات الخاطئة والمغامرات المتهورة والأفعال المشبوهة.

وكما استبشرت هذه الجماهير خيراً بدعوة فخامة الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية للحوار بما حملته من شاهد ودليل على إفساح المجال أمام إمكانية التوافق وتنقية الأجواء وتمهيد الطريق في التقدم بالعلاقة بين السلطة والمعارضة إلى واقع الشراكة الوطنية الحقيقية، فإن الرهان بكل تأكيد لن يكون لصالح الطرف الذي يدير ظهره للحوار وينصرف عنه بأسلوب تكتيكي يقوم على التعطيل وتوسيع هوة الشكوك بين أطراف العملية السياسية.

وبالنتيجة، فإن هذا الأسلوب التكتيكي الذي يقوم على التناقض والتنافر بين القول والعمل هو من صار مستهلكاً ولم يعد استخدامه في مجرى للعبة السياسية صالحاً.

ومن المصلحة أن يقلع من يتمادون في سلوكيات المراوغة عن هذا الأسلوب وأن يجعلوا خدمة اليمن خيارهم المبدئي، ليتكاتف الجميع في السلطة والمعارضة على تحقيق غايات وتطلعات أبناء شعبهم في مسيرة متسارعة لا يعيقها الأفاقون والواهمون والمخربون والإرهابيون ودعاة الهدم والأصوات الناعقة بالخراب.