لم يأت عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بجديد. فعرض تجميد الاستيطان لمدة عشرة أشهر لا يعني وقف البناء في المستعمرات التي سبق الموافقة عليها، ولا يعني حتى إزالة أية مستوطنات سابقة ولا تلك التي يطلق عليها وصف "البؤر الاستيطانية" التي تعتبر غير شرعية حتى في القانون والعرف الإسرائيلي.
والأدهى من ذلك كله أن عرض نتنياهو الحالي لتجميد الاستيطان لا يشمل مدينة القدس، أي إنه استمرار لتكريس فرض واقع مفاده أن القدس أرض إسرائيلية لا تخضع لأي مفاوضات مستقبلية وكأن القدس الشرقية ليست أراضي فلسطينية احتلتها إسرائيل عام 1967 وتشملها عدة قرارات دولية لم يبد المجتمع الدولي حتى الآن نية مخلصة للمضي في فرضها وتنفيذها، وكأنه ندم أساسا على اتخاذ تلك القرارات ويحاول التملص منها والعمل على وضع أسس جديدة لحل النزاع العربي-الإسرائيلي لا تحقق حتى أدنى مستويات العدالة ولا تراعي بديهيات الحقوق الفلسطينية والعربية التي اغتصبتها إسرائيل على مدى عشرات السنين من الحروب والنزاعات.
إن العرض الفارغ الذي تقدم به نتنياهو وربطه لمعادلة السلام بقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح مع اعتراف بيهودية إسرائيل هو الذي جعل متطرفا مثل وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان يوافق على التصويت لصالحه لمعرفته المسبقة بأنه لا يعني شيئا، وأنه ليس أكثر من ستار دخاني يساعد الحليف الأمريكي على ممارسة ضغوط جديدة على الفلسطينيين على أساس أن الجانب الإسرائيلي تقدم بمبادرة إيجابية لتحريك عملية السلام ونقل الكرة مجددا إلى الملعب الفلسطيني.
لا شك أن معضلة الشرق الأوسط تشكل التحدي الأكبر لإدارة الرئيس أوباما وأن وجود حكومة إسرائيلية متطرفة لا يساعد الإدارة الأمريكية على تحقيق اختراق في عملية السلام. لكن هذا لا يبرر مطلقا أن يبادر مسؤولون أمريكيون، وعلى رأسهم هيلاري كلينتون وجورج ميشتل، لامتداح هذه المبادرة الصورية، بل وحتى وصفها بأنها أفضل من أي مبادرة لأي حكومة إسرائيلية سابقة. إن مجرد استبعاد القدس من عرض تجميد الاستيطان يلغي أي معنى لها، فالفلسطينيون والعرب والمسلمون لن يقبلوا مطلقا بأي حل لا يعيد المسجد الأقصى للسيادة الفلسطينية، ولو كان الفلسطينيون سيقبلون بالتخلي عن القدس الشرقية كثمن للسلام لكانت القضية حلت منذ سنوات طويلة ولم تسفك دماء مئات وآلاف الشهداء بهدف استعادة المسجد الأقصى.
إن المرحلة القادمة ستكون صعبة بالتأكيد وربما تشهد محاولات أمريكية للضغط على الفلسطينيين لتقديم تنازلات جديدة، لكن الفلسطينيين بكافة أطيافهم يعون ذلك وموقفهم واحد في رفض هذه المبادرة، ولعل هذا الموقف المتطابق في رفض مبادرة نتنياهو يشكل بداية الطريق لمواقف فلسطينية أكثر وعيا ويجعل القيادات الفلسطينية تتخلى عن مواقفها المتصلبة لتعيد اللحمة إلى صفوف الإخوة بما يخدم المصالح الفلسطينية الحقيقية.
إن التحديات تزداد ضراوة يوما بعد يوم، ولا يمكن مواجهتها إلا بالوقوف صفا واحدا وتحت راية واحدة.
