رغم أن الدين يمثل بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين اليافطة التي على أساسها قد أقيم التنظيم، إلا أن الجماعة في فهمها للدين قد تقترب أكثر من ما يسمى بأصحاب الفهم العصري، أو أن براغماتيتهم السياسية تضفي عليهم فهما يبدو عصريا ولربما عمليا، من الكثير من القضايا الاجتماعية والفقهية المعاصرة.
وتبدو المفارقة بين تنظيمي البحرين والكويت، في أن الأول كان واضحا في ما يتعلق بموقفه من إعطاء المرأة حقوقا سياسية، في حين بدا التنظيم الكويتي مترددا ومترنحا في مواقفه منها: بين القبول بها كأساس شرعي ـ فقهي، والرافض لقبولها على أسس اجتماعية كقولهم «إن المجتمع الكويتي لم يتهيأ بعد لحالة القبول بالمشاركة السياسية للمرأة».
وفي المقابل، حين رفض التكتل الشيعي إقرار قانون موحد أو مستقل للأحوال الشخصية نتيجة للاشتراطات التي رفعتها مرجعياته الدينية، بدا الموقف السلفي في ذلك مقاربا للموقف الشيعي الرافض لتقنين الأحوال الشخصية، ودعم الإخوان وبشكل قوي تمرير المدونة السنية للأحوال الشخصية داخل البرلمان، بل إن البعض يعتقد أن الفضل يعود لهم في إقرار المدونة السنية. وهو موقف قد يعود عليهم بمكاسب سياسية، وربما منافع أخرى تنظيمية أو فردية.
وليس سرا أن الجماعة في العقد الثامن والتاسع من القرن الماضي، قد أُخذ بعض أعضائها بالأفكار والأقوال التي يطلقها الزعيم الإخواني السوداني حسن الترابي، فما يطرحه الترابي من تنظيرات سياسية وأخرى فقهية، قد استهوى البعض منهم. بل إنهم وفي ذروة تمتع الأخير بالسلطة وانشقاقه عن مرجعية القاهرة، كانوا دائمي التواصل معه. إلا أن ما حل به من تنكيل وتوارٍ سياسي، قد أعاد الجماعة لحضن التنظيم العالمي الذي ما زال التنظيم الأم في مصر يمثل أحد أهم مرجعياته. وتبقى في الجماعة تشكيلات معنية بعلاقة الجماعة بالفروع العربية الأخرى لجماعة الإخوان، التي تأتي العلاقة بإقليم الكويت ومصر في قمتها.
ومن المهم القول إن التنظيم، ومع بدء عمله السياسي المعلن مطلع هذا العقد، لم يمثل حالة سياسية وطنية عامة. أي أن الهوية السياسية التي اصطبغ أو عرف بها التنظيم، كانت كما هو حال جل جماعات الإسلام السياسي بضفافه ونزعاته المختلفة، على الدوام، هوية عصبوية ذات نزوع مذهبي. أي أن الجماعة في عملها وفي علاقتها بالمجتمع، أقرب إلى أن تمثل جماعة سياسية ذات تمثيل وطني جزئي، يأخذ أحيانا بعدا مذهبيا وإثنيا أحيانا أخرى.
وهي ككل الجماعات العصبوية المتأدلجة، فإن هدف الوصول للسلطة في معناها العام هدف يؤمن لها القوة والنفوذ. وفي محاولة للمحافظة على استمرار تمتعها بذلك أو تمتع أعضائها بقدر من القوة والنفوذ، فإنها تلجأ إلى توظيف الكثير من أدوات العمل السياسي التقليدي القائمة إما على التأليب أو التخويف...
وقد مثل الدين بالنسبة للجماعة، أحد أهم السياقات المشرعنة لعملها في الداخل. وفي مجتمعات ما زالت المواقف والاتجاهات فيها تتشكل على ما ينقل إليك أكثر منه مما تعتقده أنت، فإن القوى التي تجمع في عملها السياسي بين الأطر والسياقات التقليدية والأخرى الحديثة، ككل جماعات الإسلام السياسي، هي الأكثر قدرة على اختراق التجمعات التقليدية أو التضامنيات القبلية والمذهبية.
وهي القادرة على إحداث التشطير المجتمعي الذي يخدمها ويؤمن مصالحها. فهي لا يعنيها أن تسود روابط الإنجاز والكفاءة والفاعلية والعقلانية، كأساس لمعايرة الناس والعباد في الأداء وفي التمتع بالمنافع، إنما ما يعنيها أن يتم توزيع الحصص والمنافع والأرزاق وفق المعطى الذاتي للأفراد وخلفياتهم الاجتماعية، وهو المعطى الذي يؤمن لها حصصا أكبر ومنافع أوفر.. وبدا الجيل القديم والمؤسس للجماعة في البحرين مشكلا لحالة سياسية واجتماعية، لم تقاربها الأجيال الجديدة التي جاءت بعد ذلك.
إنه جيل لم يكن نفعي النزعة في جله، كما أنه لم يكن في جله جيلا منغلقا عن القوى الاجتماعية والسياسية الأخرى المختلف معها، بل كان جيلا مندمجا في عامة الناس.
وتبتعد الجماعة عن أي نشاط حقوقي متعلق بحقوق الإنسان، فهي لم تختبر المجال في ما يتعلق بأعضائها، ولو أن أحد نوابها قد كلف كما يبدو من قبل الجماعة بحمل ملف المعتقلين السياسيين من المحسوبين على تيارات الإسلام السياسي السني في غوانتنامو وفي بعض الدول الخليجية.
ويبدو أن هناك اعتقادا سائدا في أوساط الجماعة بأن تفاعلها أو تماسها مع الملف الحقوقي، قد يقود إلى قدر من الاختلاف أو الصدام مع السياق السياسي، أو مع دول إقليمية رئيسية يأتي منها أحيانا دعم مادي من أفراد ومؤسسات، كزكوات ومعونات للفقراء والمحتاجين، وهو الأمر الذي لا ترغب الجماعة في دخوله في المرحلة الحالية.
والخلاصة أن الجماعة، التي قد تمثل من حيث إطارها السياسي أكثر جماعات الإسلام السياسي العربي قربا من التحول نحو النموذج التركي، إلا أنها بفعل الأدلجة المفرطة للدين، أفرزت تكلسا وجمودا عن الحراك وتقهقرا للوراء في نواح شتى.
كاتب بحريني