تمر الساحة السياسية الفلسطينية بظروف جديدة، في غاية الدقة والتعقيد، بعد وصول عملية التسوية على المسار الفلسطيني الإسرائيلي لطريق مسدود، وبعد أن بات الرئيس محمود عباس، وعدد كبير من أنصار العملية السياسية، في حرج كبير، نتيجة التعنت الإسرائيلي من جانب، وغض النظر الأمريكي من جانب آخر عن الممارسات الإسرائيلية، خصوصاً العلميات الاستيطانية التهويدية، وبشكل اخص في منطقة القدس وداخل أحيائها.
وفي مجرى هذا الازدحام السياسي وبروز العديد من المعطيات التي تشي بأن الدولة العبرية ماضية في تنفيذ رؤيتها لمستقبل الحل مع الفلسطينيين، وتواتر الحديث عن مشروع إسرائيلي جديد أطلقه الجنرال شاؤول موفاز تحت عنوان «إقامة دولة فلسطينية مؤقتة دون حدود»، فإن مهام استثنائية فلسطينية عاجلة يفترض أن تتصدر، كأولوية على جدول أعمال منظمة التحرير الفلسطينية وحركتي «فتح» و«حماس» وعموم قوى العمل السياسي الفلسطيني، لإجراء مراجعة وتقييم دقيق لمسيرة العمل السياسي الفلسطيني في العقدين الأخيرين، ولعموم الوضع الفلسطيني الداخلي، ومغادرة أسباب الانقسام بالسير نحو إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية.
ومن هنا نرى أن تشخيص الواقع الفلسطيني الراهن، بات أمراً ضرورياً وحاسماً لجهة صياغة التكتيكات المناسبة لإدارة الصراع في المرحلة القادمة، بما في ذلك تهيئة الجبهة الفلسطينية الداخلية، وإعادة بنائها من جديد على أسس تستجيب لحقائق الواقع.
وانطلاقاً من ذلك، فإن مهمة استعادة وحدة الشعب والثورة والمقاومة، واستعادة منظمة التحرير إلى برنامجها الوطني، تشكل في المرحلة الراهنة مهمة عاجلة وغير قابلة للتأجيل. ولكن السير على طريق تحقيق وإنجاز هذه المهمة أمر ليس سهل المنال، بسبب حجم الضغط الخارجي الذي مورس وما زال يمارس على مختلف الإطارات الفلسطينية.
وبالتأكيد فإن مراوحة الجولات الحوارية في العاصمة المصرية، وجمود الورقة المصرية، يعود لعدة أسباب تؤدي إلى نتيجة واحدة مفادها أن للنجاح أسباباً وعوامل لا بد من توفرها، وعلى رأسها تذليل العقبات أولاً بين قطبي المعادلة الفلسطينية حركتي فتح وحماس، لتفكيك نقاط الاستعصاء الكبرى.
إن الحرص على أهمية الحوار الوطني الفلسطيني الشامل، ينطلق من أن الحوار طريق لا بد منه لإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس برنامج وطني ائتلافي يشكل القاسم المشترك بين جميع القوى الفلسطينية المتعاضدة في خندق الكفاح الوطني في الداخل والشتات.
وفي هذا السياق فإن نجاح الحوار الوطني، وحل الاستعصاءات التي اعترضت طريق المصالحة الفلسطينية، يتطلب بالضرورة خطوات لا بد منها على المستوى الرسمي، وأولها:
ـ وقف المفاوضات السياسية والتنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال.
ـ وقف الاعتقال السياسي وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في السجون الفلسطينية.
ـ كف يد القوى الإقليمية التي تريد قولبة الأوضاع الفلسطينية على مقاسات معينة، أو الدفع في اتجاه توتير الأجواء الداخلية الفلسطينية.
ـ إعادة الاعتبار لكل أشكال العمل المقاوم في مواجهة نهب الأرض وتهويدها.
ـ التوجه للمجتمع الدولي والعالم بخطاب سياسي فلسطيني جديد، يجمع بين الدبلوماسية والمقاومة، ويستند لوحدة الشعب ومكوناته السياسية وإلى البعد القومي والإسلامي لقضيتنا العادلة.
إن تحديات المرحلة القادمة، تفرض على عموم القوى الفلسطينية المزيد من نكران «الذات التنظيمية والفصائلية» لصالح الهمم الوطني العام، ولصالح التركيز على الأساسيات لإنجاح الجهود الرامية لإعادة بناء الوحدة الوطنية، وقطع الطريق على المتضررين منها.
فالمهمات الجسيمة القادمة، تفترض جهداً استثنائياً من قبل فصائل العمل الوطني الملتزمة بنهج المقاومة في الداخل الفلسطيني، والمبادرة لاشتقاق البرامج التي توحد الشعب وفصائله في مواجهة عمليات إفشال الحوار الفلسطيني.
وعليه فإن رحلة الوصول إلى نتائج جدية وحاسمة في الحوارات الفلسطينية، ما زالت تحتاج لجهود استثنائية جبارة حتى يمكن أن تصل إلى شواطئ ورواسي الوحدة البرنامجية الائتلافية الحقيقية، القائمة على الشراكة الوطنية في صناعة القرار وإدارة دفة السفينة الفلسطينية.
ومع هذا فإن أجواء التفاؤل تبقى محفزة ومحرضة للجميع، بالرغم من المناخات السلبية المخيمة على الوضع الفلسطيني.
وفي كل الحالات، فإن نداء الوحدة الوطنية سيبقى سيد الموقف في الساحة الشعبية الفلسطينية، وهو النداء الذي سيفرض نفسه في النهاية على منطق الانقسام، وهو ما يشكل بحد ذاته عامل ضغط حقيقي لإرساء صياغات وتفاهمات تمثل قاسماً مشتركاً لدى عموم القوى والفصائل والشخصيات المستقلة، تجسيداً للوحدة الفلسطينية.
كاتب فلسطيني ـ دمشق