حينما يجمعنا عيد الأضحى المبارك بالمحبة والفرحة أمس واليوم وغدا كمسلمين، في أكبر مؤتمر شعبي موحد من المحيط إلى المحيط، وفي أوضح ائتلاف إنساني برغم اختلاف أعراقنا وألواننا ومذاهبنا، وبرغم كل ما في الصورة الإسلامية من شقوق وتباينات، وبكل ما في الواقع من خلافات بل ومواجهات دامية بيننا، قد تفوق أحيانا ما بيننا وبين أعدائنا.. وحينما يقف العربي من كل الأوطان العربية مع غيره من أبناء القوميات الأخرى، ويجتمع أتباع المذاهب على تنوعها وتعددها.. نتجه إلى قبلة واحدة، ونلهج بتلبية واحدة، وندعو بدعاء واحد عربي اللسان إسلامي المضمون..
حينذاك ندرك على الفور أننا أمة واحدة تجمعنا العقيدة الواحدة الموحدة لا المفرقة، وما وحده الدين في الأمس قبل ألف وخمسمائة عام، ليس قابلا للانفراط، ولا يجب أن نسمح للمذاهب ولا للأعراق ولا للأيديولوجيات ولا للسياسات، ولا حتى للرياضات بالتعصب الأعمى، أن تفرقه تحت كل الظروف، فالدين هو الأصل وبقية الروابط هي الفروع.
وحينما وقف ملايين الحجيج المسلمين من الرجال والنساء ومن الشيوخ والشباب، من كل بقاع الأرض، أمس الأول «وقفة عرفة»، ذروة مراسم أداء الفريضة المقدسة، في تلك البقعة المقدسة في عرفات على قمة «جبل النور»، بلباسهم الموحد الشكل واللون، متجردين جميعا أغنياء وفقراء وأمراء وخفراء، من كل ما لديهم من سلطان أو أموال يعترفون بأخطائهم، ويتوبون إلى الله جل في علاه، ويندمون على خطاياهم، ويعتذرون إلى الله طالبين منه المغفرة..
ندرك على الفور أهمية ثقافة الاستغفار لله والاعتذار للناس، وشجاعة العودة إلى الحق والعدل، بدلا من التمادي في ظلم النفس أو ظلم الغير.
وعندما يتحرك الحجيج المسلمون جميعا إلى ساحة رجم الجمرات في منى، لرجم الشياطين في مشهد رمزي عميق الدلالة، تأسيا بأبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام في القيام برجم إبليس ومقاومة دعوته الخبيثة وتحريضه الشرير..
فإننا ندرك أنه لا تناقض بين الأوطان والقوميات والأديان، ولا بين العروبة والإسلام، بل جميعها دوائر متداخلة ومتكاملة تاريخيا وواقعيا، بما لا يمكن فصله أو تفكيكه. كما ندرك أنه طالما كان هناك إيمان، فإن هناك شيطانا يوسوس في صدور المؤمنين ليبعدهم عن قيمهم ومبادئهم وينزغ بين الإخوة في الأوطان وفي الأديان، لكي يفرق بينهم بالبغضاء وبالدماء..
وحتى لا نكون أعوان كل شيطان إنسي أو جان، علينا أن نتعلم من شعائر الحج ومن سلوك الحجيج الذين يحتفل بهم على مدى أيام هذا العيد مليار ونصف المليار مسلم على امتداد العالم، نتعلم منهم أن نرجم كل يوم شياطيننا الصغيرة الكامنة فينا، وأن نتخلص من تبعيتنا لشياطيننا الكبيرة، التي تحاول أن تحرفنا عن مبادئ وقيم ديننا الداعية إلى الوحدة الإسلامية وإلى الأخوة الإنسانية، ف{إنما المؤمنون إخوة} كما ذكر القرآن، {فأصلحوا بين أخويكم}.
وإذا كان الله جل في علاه قد كرم ابن آدم باعتباره إنسانا، فلا امتهان لكرامة الإنسان ولا مساس بكرامة الشعوب.. فلا يؤمن أحدنا إذا بات شبعان وجاره في الدار أو في وطن الجوار جوعان، وألا تقاتل ولا عداوة بين المؤمنين، فدم المسلم على المسلم حرام، وألا خصومات ولا شحناء بين الإخوة والأشقاء في كل القوميات، إلا بالحق وبآداب الإسلام.
إن الإسلام ثلاثية متكاملة من العقائد والعبادات والمعاملات، ولا عبادة صحيحة بلا عقيدة صحيحة، ولا معاملات صحيحة بلا عقيدة صحيحة وبلا عبادات صحيحة.. ف«الدين المعاملة».. وطبيعة العلاقات والتعاملات بين المسلمين هي التي تكشف مدى سيادة العقيدة الصحيحة، وجدوى أداء العبادات، فما فائدة أن نصلي ونصوم ونحج، بينما نظلم هذا ونقتل هذا ونسب ذاك؟!.. فذلك هو الإفلاس الحقيقي.
فلينقد كل منا ذاتيا نفسه قبل أن ينتقد غيره، وليبك كل منا على خطيئته قبل أن يشهر بخطأ غيره، وليؤد حق غيره أولا قبل أن يطلب حقه من أخيه، وليملك قول الحقيقة حتى ولو على نفسه قبل أن يطالب غيره.. ومن لا يحترم نفسه أولا لن ينال احترام غيره، ولنؤكد على ثقافة الاعتذار، وعلى فضيلة التسامح، وفضيلة الصمت عن قول الخطأ إذا تعذر قول الصواب.. وحين تنجح في التأثير إيجابا على نفسك، تنجح في التأثير إيجابا على الآخرين. وفي العيد، وحتى يتوارى البغض والحزن ويحل الحب والفرحة، فلنقل خيرا أو لنصمت.. وكل عيد وأنتم طيبون.
كاتب مصري