لعل الأزمة السياسية التي تعيشها الكويت حالياً، والمتمثلة بالتعسف في استخدام الرخص التي يمنحها الدستور للنائب لممارسة حق الرقابة والتشريع، والتي أدت في الممارسة العملية إلى انعدام التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ذلك التعاون الذي لا بد من وجوده لتسيير دولاب الدولة، وهو الأمر الذي اقتضى حلاً متكرراً لمجلس الأمة والدعوة إلى انتخابات جديدة، لتأتي نتائجها كسابقاتها، ولتعود الحياة السياسية في الكويت من النقطة التي وقفت عندها، دون أن تتحرك إلى الأمام.

أقول: لعل ذلك يدعونا كمثقفين لنتأمل في معاني الديمقراطية وفي مرامي هذا النظام، وفي تباطؤ وربما تعثر مجتمعاتنا العربية في ركوب موجة التيار العالمي المتجه صوب تبني هذا النظام بشتى دوله، بغض النظر عن خلفياتها الثقافية والتاريخية وبناها الاجتماعية والاقتصادية.

ولا شك أن الديمقراطية الغربية التي باتت النموذج المحتذى، قد ترعرعت في وسط اجتماعي وسياسي واقتصادي، مختلف كل الاختلاف عن تلك الأوساط التي ما فتئت تغزوها منذ أكثر من قرن أو ربما أكثر من ذلك. فالديمقراطية الغربية بصورتها الحالية، إنما هي نتاج طويل من التطور الاجتماعي والفكري والاقتصادي للمجتمعات الأوروبية الغربية، وامتداداتها في العالم الحديث.

فالديمقراطية الغربية قد تطورت منذ أيام اليونان في القرن السادس قبل الميلاد، لتمر بعد ذلك بمحطات كثيرة، لعل أبرزها ما حدث في إنجلترا في العام 1215 والمعروفة بالـ «ماغنا كارتا» أو «العهد العظيم»، ثم الثورة الفرنسية 1789، ثم ثورات 1848 في أوروبا، ثم نجاح الثورة البلشفية في روسيا في العام 1917 التي أصبحت بعدها الديمقراطية «صنوا» لـ «الليبرالية» ونقيضاً للحكم الشمولي والاقتصاد المخطط مركزيا، ذلك النوع من الحكم الذي ساد في روسيا ومن بعدها أوروبا الشرقية والصين وغيرها من الدول.

وكانت الديمقراطية شأناً يهم علية القوم والصفوة منهم، فهي كانت في المقام الأول تقسيماً للمُلك والسلطان بين ملاك العبيد في دويلات المدينة في اليونان، ثم أضحت في العصور الوسطى مشاطرة بين الملوك والنبلاء. ثم توسعت لتشمل أصحاب الملكيات الصغيرة بالذات من سكان المدن، فقد كان ينظر إلى من له أملاك على أنه «موال للنظام»، أما المعدمون (وكانوا الغالبية الساحقة) فكان ينظر إليهم بعين الريبة وتشكك النخبة في ولائهم وإخلاصهم. ولم تتوسع الديمقراطية لتشمل كل الرجال الراشدين أولاً، ثم النساء الراشدات ثانياً، إلا في مطالع القرن العشرين.

وانطلقت الديمقراطية بثوب سياسي بحت، إذ كانت «مظهراً» للمواطنة التي عنت منذ البدء في استخدامها «تملك الفرد للحقوق السياسية»، وتعايشت مع النظام العبودي ومبرراته الفكرية التي وجدت أفضل تعبير لها في آراء أرسطو، ثم في نظرية «التفويض الإلهي» التي سادت العصور الوسطى. أما في مطالع العصر الحديث، فقد وجدت لها أرضاً صلبة أكثر في نظرية العقد الاجتماعي والحقوق الطبيعية. ثم بفعل ظهور التيارات الاشتراكية وضغوط الطبقة العاملة وفشل «الليبرالية»، بدأت تكتسي طابعاً «اجتماعياً»، لينتهي بها المطاف إلى تبني نظام «دولة الرفاه»، تلك الدولة الرحمانية التي تتكفل بالتعليم والصحة والمسكن والعمل لأبنائها.

وفي القرن العشرين انقسم العالم إلى معسكرين: الأول هو «الليبرالي» الذي ربط بين الحرية الاقتصادية للفرد وحريته السياسية، ومعسكر آخر رأى أن الحرية الاقتصادية والسياسية ما هي إلا حرية القلة في الاستئثار بثروة المجتمع والتحكم فيه عن طريق «لعبة صناديق الاقتراع»، وبالتالي جنح هذا المعسكر الذي بات في منتصف القرن الماضي يحوي ثلثي البشرية، إلى الاقتصاد الموجه و«الديمقراطية الشعبية» التي تقودها الأحزاب الشيوعية والاشتراكية.

بيد أن تجربة سبعين عاماً في الاتحاد السوفييتي، ونصف قرن في الصين وأوروبا الشرقية، باءت بالفشل. فقد تفكك الاتحاد السوفييتي وانفصلت عنه أوروبا الشرقية، وتبنت جميعها الديمقراطية بمفهومها الليبرالي، في حين أن الصين استدارت دورة عنيفة منذ العام 1977 نحو اقتصاد السوق، وإن ظل نظامها السياسي على النمط القديم يصارع مستجدات النمو الاقتصادي العظيم الذي تحقق له، واستحقاقاته السياسية.

وفي بلادنا العربية، دخلنا العصر الحديث مع الحملة البونابرتية في أواخر القرن الثامن عشر، دون أن يكون لنا إرث في المشاركة السياسية. فصحيح أن الشورى جزء من إرثنا السياسي، إلا أن ذلك الإرث ظل على صعيد النظر وليس العمل، فلم يتجسد في تاريخنا الطويل و«يتمأسس» لكي تكون له قواعد راسخة يسير عليها الخلف بعد السلف.

وكباقي الشعوب تأثرنا بالفكر الإنساني، وبما وصل إليه من تطور حول المساواة والحرية والعدالة والمواطنة وتنظيم الحياة السياسية. وتعرضنا أيضاً إلى الاستعمار الغربي الذي فرض نظمه علينا بشكل «مشوه». ونحن في سبيل التخلص من ذاك الاستعمار أيضاً اختلفنا في رسم معالم مستقبلنا، بين محبذ للطريق الذي سلكته الدول الغربية، أو ذلك الذي سارت عليه الدول الاشتراكية، لتكون حصيلة ذلك بعيد الحرب العالمية الثانية انقلابات عسكرية شتى هنا وهناك، وصراع بين الملكيات العربية والجمهوريات الناشئة على ركامها. ثم لينتهي المقام بتلك الجمهوريات إلى العودة إلى التوريث!

لا نريد الإطالة أكثر فـ «العيد هل هلاله» وكل عام وأنتم بخير.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com