استضافت العاصمة التونسية خلال الأسبوع الماضي، وعلى مدى ثلاثة أيام، مائدة مستديرة حول (توظيف وسائل الاتصال الحديثة لنشر الثقافة الإسلامية)، بتنظيم وإشراف المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، والمعهد الأعلى للحضارة الإسلامية في جامعة الزيتونة.

أسئلة عديدة وإشكاليات متعددة ناقشها الخبراء والمختصون، تمحورت حول ماهية الفرص العديدة التي يقدمها الإعلام الجديد للحوار مع الآخر ونشر الثقافة الإسلامية، في عصر تهيمن عليه الصناعات الثقافية والإعلامية الغربية، من خلال شركات عملاقة عابرة للقارات وتتوفر على إمكانيات هائلة وموازنات ضخمة.

وما هي الفرص المتوفرة أمام المسلمين لاستغلال الإعلام الجديد وخاصة الانترنت، للقيام بالدعوة والتعريف بالإسلام والرد على الصور النمطية والتشويه والتضليل والحملات الدعائية المغرضة؟ وما هي التحديات التي تواجههم؟ وهل وظف المسلمون هذه الإمكانيات والوسائل لنشر الثقافة الإسلامية؟ وما هو وضع الثقافة الإسلامية في ظل العولمة؟ وما هي خصائص المجتمع الرقمي؟

وأخيرا ناقشت الندوة ورقة حول آليات وسبل نشر الثقافة الإسلامية في العصر الرقمي، حيث ضرورة اعتماد لغة العصر وثقافة الحوار والتواصل بين الحضارات، وتوفير الإمكانيات والموازنات الضرورية، بالإضافة إلى التنسيق بين الجهات المختلفة لإيصال الثقافة الإسلامية إلى المنابر العالمية.

وتتمحور إشكالية نشر الثقافة الإسلامية في العصر الرقمي، حول الاستغلال الأمثل للوسائل والإمكانيات المتاحة من تكنولوجيات حديثة ووسائط متعددة. فالحضور الثقافي على المستوى الدولي بحاجة إلى مجهودات كبيرة منسقة ومنظمة، تخاطب الآخر بلغة العصر وبمنهجية علمية ومنطق، حتى تحقق المبتغى منها. فالمشاركة في التراث الثقافي العالمي تحتاج إلى إنتاج فكري وعلمي، وبجودة ونوعية تستطيع أن تنافس ما هو موجود على الساحة العالمية. مما يعني أن هناك تحديات جسيمة وكبيرة، تنتظر العالم الإسلامي في مسعاه لنشر الثقافة الإسلامية.

ومن بين أهم هذه التحديات سيطرة (الذين يملكون) على صناعة الثقافة العالمية، وكذلك أحادية الثقافة العالمية وهيمنة الشمال على الجنوب. من جهة أخرى يجب الحذر والاحتياط عند الكلام عن الانترنت وتكنولوجيات الاتصال، حيث ان هناك جوانب سلبية ومشكلات عديدة تشوب هذه الوسائل، التي تعتبر سلاحا ذا حدين.

وتتمثل آليات توظيف الإعلام الجديد في نشر الثقافة الإسلامية، في عدة أمور، من أبرزها:

ـ تشكيل لجان أو هيئات إسلامية عالمية بتمويل من المنظمات الإسلامية العالمية، لخدمة الإسلام ونشر الثقافة الإسلامية والرد على أعداء الإسلام عن طريق الإنترنت.

ـ الاهتمام بالإنترنت، باعتبارها تقنية اتصال حديثة وضرورية في هذا العصر، وتوجيهها لنشر الثقافة الإسلامية عبر المعمورة.

ـ التنسيق والتكامل بين جهود الهيئات والمنظمات الإسلامية العاملة داخل العالم الإسلامي وخارجه.

ـ التنسيق بين المؤسسات العلمية والدينية في جميع الدول العربية والإسلامية، عبر مواقع الإنترنت لتجنب التضارب والتناقض في الخطاب وفي رسالة الإسلام.

ـ الاتفاق على موقف موحد بين جميع المسلمين، إزاء القضايا الإنسانية العالمية، بهدف تقديم رؤية واضحة ومبسطة وواحدة تجاه هذه القضايا، خاصة أن هناك العديد من التضارب والاختلاف حول العديد من المسائل الجوهرية في الإسلام، مثل ما يبثه بعض الفرق والمؤسسات التي تفتقر إلى المعرفة الدينية الصحيحة والمصداقية والالتزام.

ـ الاستفادة من الخبرات والطاقات الإسلامية المتوفرة في مجال تكنولوجيات الاتصال والإعلام وفي المجالات الثقافية والمعرفية، من خلال التنسيق والتعاون والتكامل ووضع استراتيجيات ناجعة للوصول إلى الآخر، بأسلوب حضاري ومنهجي يتماشى مع متطلبات العصر ويخدم العلم والأخلاق والفضيلة.

ـ التركيز على البحث العلمي وصناعة المعرفة، والمشاركة في التراث العلمي العالمي، بهدف تسجيل حضور إيجابي وفعال للثقافة الإسلامية.

ـ بذل الجهود الممكنة لاتخاذ كل التدابير الناجحة وبالوسائل التقنية المتاحة والمبتكرة، للحيلولة دون وصول البرامج والمعروضات التي تروج للانحراف والفجور، إلى المشتركين في الشبكة، بالإضافة إلى ضرورة التعاون مع الهيئات العالمية لتحقيق هذا الهدف.

في عالم متعولم تسيطر عليه الصناعات الثقافية والإعلامية الغربية، بات من الضروري والحتمي أن تفكر الأمة الإسلامية في استغلال الإعلام الجديد وتكنولوجيا الاتصال الجديدة، للتثاقف مع الآخر ونشر الثقافة الإسلامية في ربوع العالم، وعبر الوسائل التي تستحوذ على أوقات المشاهدة والاستماع والقراءة ومختلف أشكال التواصل عند الإنسان.

وتعتبر شبكة الانترنت من أهم الوسائل التي تساعد على دخول الكونية والعالمية والتخاطب مع البشرية جمعاء، لما تتوفر عليه الشبكة العنكبوتية من مميزات وخصائص، كاللامكان واللازمان والتفاعلية وقلة التكاليف وتنوع التطبيقات وسهولة الاستخدام. فالانترنت اليوم، أصبحت بدون منازع وسيلة العصر لتوصيل أي رسالة. لكن التعامل مع الانترنت يتطلب كذلك مهنية وحرفية وتنسيقا للجهود، حتى يتم تحقيق الأهداف المنشودة.

إن نشر الثقافة الإسلامية يتطلب التحكم في لغة وثقافة العصر عبر التنسيق والتكامل، وتمكين لغة الحوار والتواصل بين الحضارات، وكذلك الاستثمار في التنمية الثقافية وصناعة العلم والمعرفة، وتوفير الوسائل والإمكانيات والموازنات اللازمة لتحقيق الأهداف المنشودة.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae