كان الجميع يرددون وبصوت عالٍ اسم «توني بلير»، رئيس وزراء بريطانيا السابق «كرئيس منتظر» للمجلس الأوروبي، واختصارا لأوروبا كما شاعت التسمية. وترددت بعض الأسماء الأخرى «وشوشة»، ومن بينها اسم «هيرمان فان رومبي»، رئيس وزراء المملكة البلجيكية.
كان الطريق قد أصبح مفتوحا لاختيار رئيس لأوروبا، بعد التصديق على اتفاقية برشلونة المبسّطة ـ الاتفاقية الدستورية الأوروبية ـ من قبل الجمهورية التشيكية، التي كان رئيسها فاكلاف كلاوس يصر على «مقاومتها»، من موقف العداء الصريح لمسيرة التوحيد الأوروبي برمّتها في صيغتها الحالية التي تكرّس، في رأيه، سلطة الدول الكبرى في القارّة.
لم يفز توني بلير بأصوات الناخبين الكبار من رؤساء دول وحكومات بلدان الاتحاد الأوروبي ال27، أثناء لقائهم في بروكسل قبل أيام. أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، قادت ضد انتخابه «معركة» صريحة. الحجتان الرئيسيتان اللتان استخدمتهما، تمثّلتا في القول إن بريطانيا ليست عضوا في منطقة اليورو ولا في منطقة تشنغن، وبالتالي لا يمكن أن يشرف على إدارة ملفين أوروبيين أساسيين، مثل الاقتصاد والهجرة، رئيس اختارت بلاده أن تكون على هامشهما.
هيرمان فان رومبي هو الذي أولاه رؤساء دول وحكومات بلدان الاتحاد الأوروبي ثقتهم، وانتخبوه رئيسا لأوروبا لمدّة عامين ونصف قابلة للتجديد، واختاروا بالمناسبة نفسها البريطانية كاترين اشتون كممثلة عليا للسياسة الخارجية الأوروبية، أي ما يعني وزيرة خارجية أوروبا.
لم يدفع قادة البلدان الأوروبية إلى الواجهة، كما هو واضح، أسماء معروفة عالميا ولها وزنها على الساحة الدولية. كان الخيار مدروسا ومقصودا، وعلى خلفية أن الاتحاد الأوروبي هو اليوم بحاجة إلى من يمتلكون ملكة الإدارة والتسيير، أكثر مما هي بحاجة إلى وجوه شهيرة عالميا مثل توني بلير. والرئيس المنتخب هو رجل اقتصاد من حيث تكوينه العلمي، ومحافظ سياسيا، ويجيد التحدّث باللغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية والهولندية، وكان قد استطاع «إنقاذ» بلجيكا من أزمة فراغ حكومي استمرّت عاما ونصف العام، كان الحديث خلالها عن احتمال انهيارها شبه يومي.
كان المواطنون الأوروبيون ينتظرون «نجما» يليق بمنصب رئيس أوروبا. من هنا شاع الإحساس بنوع من خيبة الأمل لديهم، بل اعتبر بعض المعلّقين أن هذا الاختيار يمثّل «فشلا» لأوروبا. لكن ما لم يستوعبوه جيدا، هو أن المنصب «محدود السلطة والصلاحيات». والاتحاد الأوروبي ليس الولايات المتحدة الأوروبية، وبالتالي اختيار رئيس له ليس معادلا لاختيار جورج واشنطن عندما قامت الولايات المتحدة الأميركية. الأمر في هذه الحالة الأوروبية متعلّق باتحاد دول لها سيادتها «الوطنية» ودساتيرها «العريقة»، بينما الكيان الدستوري الأوروبي لا يزال وليدا «يحبو».
ورئيس أوروبا المنتخب ليس رئيسا للرؤساء الأوروبيين، وليس رئيسا أعلى ـ سوبر. إنه رئيس مجلس أوروبي يضم 27 من «المتفوقين» في بلدانهم، عليه مهمة التحضير لاجتماعاتهم أربع مرّات في السنة، والعمل على إيجاد أكبر قدر ممكن من التوافق بينهم حول ملفات جوهرية، مثل تلك المتعلّقة بالتزوّد بمصادر الطاقة وتنظيم الهجرة. دور «أمين عام» بمعنى أكثر دقّة من كونه دور رئيس.
وإذا لم يكن الرئيس الأوروبي المنتخب معروفا جدا على الصعيد العالمي، فهو سيصبح معروفا بعد فترة وجيزة. ثمّ ليس المهم أن يكون معروفا، بل المهم ماذا سوف يفعل.. وبدقّة أكثر ماذا يمكنه أن يفعل؟
الاتفاقية الدستورية الأوروبية ليست واضحة في ما يتعلّق بصلاحياته وحدودها. وهناك تداخل «واضح» في مجال عمله مع البرلمان الأوروبي، ومع المفوضية الأوروبية، ومع الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية، وزير الخارجية.
من هنا قد لا يكون من المبالغة القول إن الصوت الأوروبي لم يتم توحيده على أرض الواقع، ولكن بعثرته بين مؤسسات متنافسة بحكم وجود «عدّة رؤوس» للجهاز التنفيذي الأوروبي. فمن الذي سوف يمثّل أوروبا ويتحدث باسمها مع العالم الخارجي والمؤسسات الدولية؟ هل هو رئيس المجلس الأوروبي «رئيس أوروبا»؟ أم الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية «وزير الخارجية»؟ أم رئيس المفوضية الأوروبية؟
من المهم معرفة أن الجهاز الدبلوماسي المقرر عمله مع رئيس أوروبا، يضم حوالي 20 شخصا فقط، بينما يعمل الآلاف تحت إمرة وزير الخارجية، وستكون هناك سفارات لأوروبا في مختلف مناطق العالم.
المؤكّد هو أن رئيس أوروبا المنتخب لا يمكنه أن يتجاوز رؤساء الدول، ووزيرة الخارجية الجديدة لا يمكنها أن تغطي على وزراء الدول الأوروبية الكبرى. مثل هذا الحساب لم يكن غائبا عن ذهن القادة ال27 عند القيام بخيارهم. ولا يزال مركز القرار الحقيقي في أيديهم، وخاصة في بون ولندن وباريس.
فما هي وجهة سفينة أوروبا؟ قد لا يكون من المبالغة القول إنها أمام المجهول.
كاتب سوري ـ باريس