إذا كان نتانياهو لا يتردّد في وصف قرار حكومته، بخصوص الوقف المشوّه للاستيطان، على أنه «خطوة بعيدة المدى نحو السلام»؛ فذلك متوقع ومفهوم. الرجل اعتاد أن لا ينطق سوى بما هو مخادع وملغوم. سلامه معروف. وأيضاً مناوراته وحركاته المسرحية. لكن أن تسارع إدارة الرئيس أوباما إلى الترحيب بقفزته البهلوانية بحسبانها أنها خطوة «مهمة»، من شأنها أن «تساعد على التحرك نحو حلّ النزاع»؛ فذلك لا يصح أن يكون سوى واحد من اثنين: إما مزحة سقيمة وإما عملية استعباط غير مقبول.

منذ فترة ونتانياهو يهدر ويتحدّى، بأنه لن يوقف التوسع في المستعمرات القائمة. حيلته، أن توسيعها حاجة «لنموها الطبيعي». كل ما وعد به ـ وهو الذي ما صدق مرة بوعده ـ أن ينأى عن بناء مستوطنات جديدة، مؤقتاً؛ في الضفة. استثنى القدس، بزعم أنها العاصمة؛ ولا يقبل أن تخضع لتجميد البناء في محيطها. وضع هذه الشروط وضرب رجليه بالأرض، من غير أن يتزحزح عنها قيد أنملة. في البداية، بدت الإدارة وكأنها عازمة على رفض هذه المعادلة.

تحركها أعطى الانطباع، بأن هذا التشبث غير مقبول. ولم تخف استياءها. لكنها لم تصمد. تعاملت مع نتانياهو بسياسة المداراة والإرضاء. إصراره الاستفزازي، قابلته هي، بكثير من التراخي.

استنفرت إسرائيل اللوبي والكونغرس، في واشنطن؛ للضغط والتهويل على البيت الأبيض. تراجع هذا الأخير، لصالح حساباته السياسية. ثم بسرعة، استدار شطر الجانب الفلسطيني؛ يطالبه بالقبول بـ «نصف الرغيف» كما قالت الوزيرة كلينتون، خلال جولتها الأخيرة في المنطقة، والتي اعتبرت أثناءها أن الوقف الجزئي الذي قدمه نتانياهو «غير مسبوق». وها هي الإدارة، تتبنى الآن صراحة ما أعلنته الحكومة الإسرائيلية، والذي ليس سوى نسخة طبق الأصل عن ما طرحه نتانياهو من الأساس

بالنهاية، كل جهود ومزاعم و«ضغوط» إدارة أوباما، على مدى تسعة أشهر؛ لم تقو سوى على انتزاع وقف مخادع للتوسع الاستيطاني، من نتانياهو. بالأحرى، لم تشأ أن تقوى على انتزاع أكثر من ذلك. الأسوأ، أنها وضعت ما عرضه في منزلة التنازل وسارعت إلى تسويقه والترويج له. تمخّض الجبل وجاء المولود فأراً.