«وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق» صدق الله العظيم.
كم هو رائع أبوبكر، ذلك الرجل الراحل من بلاد الشيشان الواقعة في مكان ما هناك في ما يسمى آسيا الوسطى، ومشيا على الأقدام إلى البيت العتيق قاطعا 5000 كيلومتر في 98 يوما، مذكرا برحلات الشوق إلى مكة التي تزخر بها كتب التراث في زمن توفرت فيه وسائل النقل فأصبحنا في عالم الضوضاء نبحث في اللحظة الأخيرة عن الحج السريع.
»وأذن في الناس بالحج».. أمر رباني إلى إبراهيم عليه السلام وهو يهوي ساجدا في واد غير ذي زرع، ومن ذلك الحين يأتي هذا المنسك دليلا ناصعا على وحدة هذه الأمة وقوة أدوات التجميع لديها، كونها تمتلك عقيدة صافية كقطرة الندى، وكفلق الصبح المتجلي للعيون العطشى إلى قطرة دمع تعني فيما تعنيه التضحية في زمن الأنانية السوداء.
شاهد الجموع على جبل عرفات حيث الحج الأكبر، والأبصار تتجه للسماء في تنوع بشري من الأعراق والألوان واللغات والمشارب متزاحمة متراصة تدعو ربا واحدا لا شريك له، وتعلم الدنيا ان العقيدة تجمع وتوحد وتسدد وتقارب بين خلايا البشر وأرواحهم في ذلك المشعر، مهما فرقتهم دهاليز السياسة وأساطين الضرب على أوجاع الأمة وابتلاءاتها في مشهد قل ان تجد مثيله في دنيا الفناء.
في السنة العاشرة للهجرة أعلن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن عزمه الحج إلى بيت الله الحرام، فخرج معه حوالي مئة ألف من المسلمين من الرجال والنساء، لتتوالى الوفود من بعدها إلى مكة على مدار قرون من الزمان «ليشهدوا منافع لهم»، وأي منفعة اكبر لهذه الأمة من هذا المشهد الذي يجمع مليونين ونصف المليون شخص برتبة حاج مجاهد يصطفون خلف إمام واحد حول البيت العتيق.
ولنمضي مع قائدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم نأخذ منه المناسك، ونأخذ توجيهات القيادة الربانية فيما يحفظ وحدتها ويوجه طاقتها.. «اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا، أيها الناس: إن دماء كم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلَّغتُ؟
اللَّهم اشهد، أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، فلا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده، كتاب الله وسنتي».
