لم تعد الدول الكبرى تخشى بعضها البعض مثلما كان الحال أثناء الحرب الباردة، فقد تغير العالم رغم الصراعات الهائلة التي تندلع هنا وهناك، واستطاعت هذه الدول أن تحقق قدرا كبيرا من التوازن والعقلانية في العلاقات بينها.

وحتى في ظل صعود القوى الجديدة مثل الهند والصين، فقد استطاعت القوى الكبرى الأخرى مثل أميركا وبعض الدول الأوروبية، الحفاظ على علاقات متوازنة معهما.

وما أصبح يقلق الدول الكبرى الآن، هو تلك الدول الصغيرة الضعيفة التي تصل في بعض الأحيان لحالة من الفشل التام في إدارة شؤون مواطنيها ومتطلباتهم المختلفة، وهو أمر دعا بعض الدول الكبرى والمؤسسات الدولية، مثل الولايات المتحدة وإنجلترا واستراليا وكندا والبنك الدولي، لإنشاء وحدات لمساندة الدول الضعيفة وتدعيمها.

ولا تقوم الدول الكبرى بتلك المساندة والدعم من أجل سواد عيون الدول الضعيفة أو رحمة وإشفاقا بمواطنيها، لكنها تقوم بذلك من أجل اتقاء الشرور والمشكلات القادمة منها.

والدولة الضعيفة هي التي يصيبها خلل في أي من وظائفها المختلفة، التي تتعلق بالأمن والمؤسسات الشرعية السياسية والإدارة الاقتصادية، وأخيرا الرفاه الاجتماعي.

فإذا لم تستطع الدولة رعاية حدودها أو توفير مستويات مشاركة سياسية جيدة، عبر المؤسسات المتعارف عليها مجتمعيا أو تحقيق أوضاع معيشية إنسانية للأفراد، على المستوى السكني والتعليمي والصحي وغيرها من الخدمات الأخرى، فإن هذا يضعها ضمن الدول الضعيفة أو الفاشلة. وتؤكد التقارير الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد وغيرهما من المؤسسات، على وجود ما يقرب ما بين 50 إلى 60 دولة حول العالم، يمكن أن تندرج تحت مسمى الدول الضعيفة، يعيش فيها ما يقرب من المليار نسمة.

والواقع أن الأوضاع السيئة التي تعاني منها الدول الضعيفة، تنتقل بدرجة أو بأخرى للدول المتقدمة وتؤثر عليها. فهذه الدول، وبشكل خاص تلك التي تعاني من صعوبات هائلة تجعلها غير قادرة على ضبط حدودها، مثل الصومال وأفغانستان، تصبح أوكارا للكثير من التنظيمات المتطرفة مثل تنظيم القاعدة.

ولا يقف الأمر على ذلك، بل يرتبط أيضا بزارعة الأفيون الذي تزرع غالبيته في أفغانستان، وينتقل بعد ذلك لأوروبا عبر بعض الدول الآسيوية الأخرى، وهو الوضع نفسه الذي يتم في كولومبيا حيث يتم منها تهريب الكوكايين.

ولا يقف الأمر فقط عند إيواء الجماعات المتطرفة أو زراعة وتهريب المخدرات، لكنه يتعدى ذلك إلى موجات الهجرة المتدفقة من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية، مثلما يتم من الدول الإفريقية إلى جنوب أوروبا، مع ما يرتبط بذلك من انتقال الجماعات المتطرفة لأوروبا، إضافة للأخطار المرتبطة بتوسيع دائرة الإصابة بالإيدز، وغيرها من الجرائم المختلفة.

لا يعني ما سبق أن الدول الضعيفة تتشابه فيما بينها، فهناك طيف واسع من أنواع الدول الضعيفة يتفاوت من دولة لأخرى، حسب الظروف التي تمر بها وحسب نقاط الضعف الخاصة بها والمشكلات التي تواجهها. ففي بعض الدول، مثل الصومال وأفغانستان، لا تستطيع الدولة حتى أن تفرض سلطتها على الفضاء المادي المرتبط بحدودها، فتصبح الدولة في هذه الحالة مرتعا لكافة أنواع الجرائم وتهريب الأسلحة والمخدرات والجماعات المتطرفة.

بل وظهور القراصنة الذين يعبثون بالمياه الدولية ويعيدون العالم لتواريخ مضت منذ أمد بعيد. ومن الملاحظ أن القارة الإفريقية تحتوي على نسبة كبيرة من الدول الضعيفة أو الفاشلة، مقارنة بغيرها من مناطق العالم الأخرى، رغم بعض الجهود المبذولة من أجل تجاوز حالة الفقر والتخلف في القارة السوداء.

كما أن الدول الضعيفة أو الفاشلة، تختلف فيما بينها في ضوء مسألتين على قدر كبير من الأهمية، هما: المقدرة، والإرادة. فبعض الدول الضعيفة لديها المقدرة على مواجهة الواقع لكنها لا تمتلك الإرادة، كما أن البعض الآخر يمتلك الإرادة لكنه لا يمتلك المقدرة، وأخيرا البعض الأكثر فشلا وتدهورا الذي لا يمتلك المقدرة ولا الإرادة.

من هنا فإن الخروج من واقع الدولة الضعيفة لا يتوقف فقط على الإمكانيات التي تمتلكها، فالكثير من الدول الإفريقية يمتلك الإمكانيات لكنه لا يمتلك إرادة التغيير والرغبة فيه، وبشكل خاص على مستوى الإصلاح السياسي.

لم تعد مسألة وجود دول ضعيفة أو فاشلة مسألة داخلية أو إقليمية، لكنها أصبحت مسألة كونية تخيف الدول الكبرى مما تسببه من أزمات وكوارث تؤثر على الغرب، وبشكل خاص في مجال تهريب المخدرات والأسلحة وتصدير الجماعات المتطرفة. وهو ما يستدعي تضافر كافة الجهود الدولية الحقيقية، من أجل تحسين أوضاع الدول الضعيفة أو الفاشلة، حتى يتقي الغرب الكثير من الكوارث التي تنتقل إليه عبر المحيطات.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com