لماذا انقسم الشيعة في العراق على المستوى السياسي الأعلى؟
على مدى السنوات الأربع الماضية بقي التنظيم المظلي الشيعي، الذي يطلق عليه «الائتلاف العراقي الموحد» بزعامة نوري المالكي، القوة الأعظم المهيمنة على الساحة السياسية، وخاصة في البرلمان. لكن الأمر اختلف في أغسطس الماضي، عندما انشق «حزب الدعوة» الذي يقوده أيضا المالكي، على الائتلاف بارزاً كقوة سياسية مستقلة بنفسها.
وكانت النتيجة أن التنظيمات الشيعية الأخرى شكلت ائتلافاً جديداً أصبح مناوئا للمالكي، إيذانا بأن يكون خصمه الأكبر على مسرح الصراع السياسي، وبالتالي فإن هذا الائتلاف الجديد سيدخل معركة الانتخابات (المقرر إجراؤها في يناير المقبل) كخصم أساسي للمالكي وحزبه.
والسؤال الذي يطرح هو: هل أصبح العراق موعودا بمرحلة جديدة من الصراع تختلف عن السابق؟ وإذا كان حزب الدعوة بزعامة المالكي قد أدار ظهره لحلفائه من القوى السياسية الشيعية، فهل يعني ذلك أنه قد تخلى عن انتمائه المذهبي؟
المالكي يعيد إنتاج نفسه منذ أن صار رئيسا للحكومة في عام 2006، كشخصية قومية عربية منفتحة على العراقيين قاطبة، بصرف النظر عن توزع انتماءاتهم الطائفية.
وفي هذا السياق فإنه أخذ ينأى بنفسه عن النفوذ الذي تمارسه إيران في الساحة السياسية العراقية، بينما لا تزال القيادات الشيعية العراقية الأخرى موالية لطهران بدرجة أو بأخرى.
بالطبع يدرك المالكي جيدا أنه قد لا يبقى على قيد الحياة السياسية طويلا في صموده ضد النفوذ الإيراني، دون أن يكون مستندا إلى دعم قوة إقليمية أو دولية. هذه القوة هي تحديدا الولايات المتحدة.
ليس معنى هذا أن نوري المالكي يصنف كعميل للقوة العظمى الأميركية يخدم مصالحها الحيوية على المستويين العراقي والإقليمي، لكن المغزى هو أن ضرورات التحرك السياسي أوجدت نقاط التقاء بين هذا الزعيم العراقي والإدارة الأميركية.
والثابت الآن أن أبرز نقاط الالتقاء هذه، هي الرغبة في بقاء الوجود العسكري الأميركي على أرض العراق، لأجل غير مسمى. على هذا المنوال، وفي مواجهة القيادات الشيعية الموالية لإيران، ومواجهة طهران نفسها، أنشأ المالكي ائتلافا سياسيا جديدا يضم شخصيات عراقية غير شيعية.
لكن علينا أن ننتظر بعض الوقت، لنرى ما إذا كان هذا الائتلاف الجديد يملك من أسباب القوة السياسية ما يؤهله للدخول في مواجهات حاسمة، ضد الجماعات الشيعية عالية الانضباط والتي تخطط للاستئثار بالسلطة، والمدعومة من إيران. أقرب مناسبة كبرى لاختبار لعبة شد الحبل هذه، ستكون انتخابات يناير البرلمانية (إذا أجريت فعلا). فإذا أحرز المالكي انتصارا انتخابيا حاسما، فإنه سيكون على رأس حكومة لمدى أربع سنوات تالية.
أما في حالة خسارته المعركة الانتخابية، فسينشأ وضع سياسي جديد، قد يدفع المالكي لمغادرة المسرح السياسي، وربما مغادرة العراق نهائيا إذا خشي على مصيره الشخصي.
ولكن قد يتحول الوضع في هذه الحالة أيضا، إلى صراع دموي. وفي هذا الصدد تفيد الصحافة الغربية بأن المالكي يبدو وكأنه يجري استعدادات لتقوية سلطته بدعم أميركي. فهو مثلا أخذ يشدد قبضته، كرئيس وزراء، على القوات الأمنية الحكومية، بمنح نفسه سلطة تعيين أو فصل ضباط القوات المسلحة، وكأنه يريد تحويل الجيش إلى ميليشيا خاصة.
هذا يقودنا إلى طرح تساؤل مفصلي: هل بات العراق على مسار يفضي به إلى «لبننة» ـ أي تحوله إلى نسخة من لبنان ـ بحيث يمكن أن تندلع حرب أهلية طويلة المدى، تغذيها قوى إقليمية ودولية خارجية؟
من الثابت أن إيران تتحين انسحاب القوات الأميركية من الأراضي العراقية، لتقوم بتدخل مباشر وبكل الوسائل لدعم الائتلاف الشيعي. وعلى الناحية الأخرى، فإن الولايات المتحدة قد لا تنسحب في الموعد المقرر (نهاية 2011)، وذلك بغرض مساندة ائتلاف المالكي الذي تؤيده داخليا جماعات قومية عربية ذات طابع سني. وإذا اندلعت صدامات دموية كبرى، فإن «اللبننة» العراقية سوف تكتمل بدخول قوى عربية «معتدلة» لصالح المالكي وحلفائه.
وعلينا أن نلاحظ في هذا السياق أيضا، التصريحات التي تصدر من حين لآخر عن كبار القادة العسكريين الأميركيين العاملين في العراق، حول «عدم قدرة» القوات الأمنية العراقية على ضبط الحالة الأمنية، وكأنهم يمهدون لقرار من الإدارة الأميركية يقضي بتأجيل الانسحاب «بناء على طلب الحكومة العراقية»، أي حكومة نوري المالكي. صفوة القول هي ان مؤشرات المشهد العراقي المتحرك، ليست مدعاة للتفاؤل.
كاتب صحافي سوداني