مباشرة بريطانيا بالتحقيق في ملابسات دخولها في الحرب على العراق، خطوة مطلوبة؛ ولو أنها تأخرت. إصرار أهالي الجنود الذين سقطوا فيها، فرض اتخاذها. والاستجابة لم تحصل إلا بعد فترة طويلة، تخللتها محاولات كثيرة للالتفاف على هذا المطلب. لذا كانت الموافقة، بالنهاية، أقرب إلى الانجاز. لكنه جاء على شكل انجاز منقوص. بل مشوّه. فلجنة التحقيق، محصورة مهمتها «بتوجيه الانتقادات حين تكون مبررة».
يعني ليست مخوّلة بتوجيه الاتهامات. ثم أنه «لا تجري محاكمة احد»، في ضوء ما ينتهي إليه التحقيق؛ حسب ما قال رئيسها. وبذلك فهي، في أحسن الأحوال، ليست أكثر من لجنة تقصّي الحقائق. فقط لا غير. إذ ذاك، فإن وظيفتها لا تتعدّى عملية تنفيس للنقمة.
حقائق حرب العراق، باتت معروفة. وتلفيقاتها مكشوفة. أهلها فضحوا خفاياها. من وزير الخارجية الأميركية، كولن باول، إلى الشهادات التي نطق العارفون بها؛ أمام الكونغرس كما في وسائل الإعلام الغربي. ناهيك عن الكتب والوثائق التي نشرت حولها.
إدارة الرئيس بوش، تعمّدت افتعال وفبركة أسباب واهية، لغزو العراق. تجاوزت الأمم المتحدة والقوانين الدولية، لتذهب إلى حرب؛ بزعم وجود أسلحة دمار وضرورة درء أخطارها. حكومة توني بلير، تواطأت معها.
الشاهد الأول أمام هذه اللجنة وليام باتي، مسؤول سابق في الخارجية البريطانية، أكد على أن السياسة البريطانية كانت تؤكد على وجوب » البقاء بعيدا»، عن ما سمّاه «بنزعة الحرب لدى صقور واشنطن». لكن خلافاً لهذا التوجه، قام بلير بإعداد ملفه الشهير، الذي أكد على امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل. هذه وقائع معلومة.
عمل اللجنة، سيدور حول كيفية نجاح بلير في تمرير قراره وتأمين الموافقة عليه؛ في المؤسسات البريطانية. على أهميته، فإن ذلك يبقى في حدود كشف التقنية والمناورة والذي لا يرضي غير الفضوليين.
قصة حرب العراق، ما عاد يلزمها تحقيق وقائعي. كوارثها ومآسيها، تستحق أكثر وأبعد من ذلك. بل هي تفرض فتح تحقيق اتهامي، يستتبع تلقائياً محاكمة سياسية كما قضائية. أقل من ذلك، تبقى مجرد ترضية لتضييع واجتناب المسؤولية.
