(لا يفيد البكاء على اللبن المسكوب) هذه الحقيقة الكامنة في بطن هذه الحكمة العربية هي أصدق تعبير عن حال العرب في ظل أنباء عن الشروع في التحقيق عن دور بريطانيا في غزو العراق، حيث بدأت أمس لجنة التحقيق في غزو العراق تحقيقاتها حول هذا الملف الشائك الذي سيظل يمثل نقطة سوداء في التاريخ العسكري والسياسي المعاصر لبريطانيا العظمى.
ولا يعطينا واقع التعامل الغربي عموماً مع القضايا العربية أي بارقة أمل في الإنصاف، لكننا نأمل هذه المرة ان تأخذ العدالة البريطانية مجراها، ونتمنى لها أن تبرئ نفسها من تهمة التورط في الحيد عن الحقيقة أو طمسها، والبريطانيون يبادرون أحيانا للاعتراف بالخطأ وأشهر المواقف في هذا الشأن حين اعتذر كثير من البريطانيين عن تصرفات أجدادهم في الحروب الصليبية التي قادها ريتشارد قلب الأسد على أسس لم تكن صحيحة، وربما حلم الذين تورطوا في حرب العراق ان يصبحوا (قلب أسد) هذا العصر.
وستقول لنا اللجنة في نهاية تحقيقاتها ما إذا كان الأشاوس الذين زعموا أن لدى العراق برنامجا لإسلحة الدمار الشامل وأسسوا على هذه الكذبة كل أركان المأساة على حق او على باطل، وما إذا كان زعيمهم (قلب أسد) أم (قلب ثعلب).
نأمل أن تكون قرارات وتوصيات اللجنة منسجمة مع الوقائع التي استشعرها الشعب البريطاني في وقت مبكر فكانت المسيرات المليونية المنددة بحرب العراق في لندن اكبر شاهد على الخطأ السياسي والعسكري، لكن السياسيين لم يكونوا ـ مع الأسف ـ على مستوى وعي الشعب، فصموا آذانهم عن نداءات التوقف عن ذبح العراقيين بدم بارد، وراحوا يبررون و(يكذبون) ويؤكدون على صدق (الأكاذيب) حتى آخر لحظة.
الحقيقة ان تصريحات جون سيلكوت رئيس لجنة التحقيق أمس حول عزم اللجنة على بحث الأدلة والوثائق واستجواب المسؤولين ومحاسبتهم في النهاية هي تصريحات مشجعة، لكن لن ينسى العرب وخاصة العراقيين عدم إنصات النخبة السياسية البريطانية لمطالب الشعب البريطاني بعدم التورط وراء الولايات المتحدة في حروب استنزافية مهلكة للجميع ولا منتصر فيها الا الشيطان وحده والنفس الأمارة بالسوء وأصحاب النوايا المشبوهة الذين تنقلب أعمالهم عليهم في النهاية بالوبال وسوء العاقبة.
إنه تحقيق علني، لذلك سنسمع مع اللجنة كيف يبرر بلير وفريقه للشعب البريطاني وللعالم فعلته الشنعاء في العراق.
