لأنني أدرّس مادة النظام السياسي الأميركي، كان طبيعيا أن أناقش مع طلابي زيارة أوباما الآسيوية. فتحت باب النقاش بعبارة قصيرة، أشرت فيها للنبرة الجديدة التي تتحدث بها أميركا أوباما مع حلفائها ومنافسيها في آسيا.
كان أول المتحدثين طالب استهل حديثه بأن ذكر زملاءه بأن أوباما استخدم تلك النبرة التصالحية نفسها في زياراته لمناطق أخرى، من العالم الإسلامي لأوربا إلى أميركا اللاتينية، ثم تساءل عما إذا كان ذلك التوجه الجديد ذا دلالة رمزية، تعكس انحسار النفوذ الأميركي عموما، وفي آسيا على وجه الخصوص.
استثار سؤال الطالب إحدى زميلاته، فعلقت بقولها «وهل إبداء الاحترام للآخرين يستلزم أن تكون على وشك أن تفقد قوتك؟».
كانت تلك الأسئلة والتعليقات بداية طيبة بالقطع، يمكن من خلالها مناقشة المحطات المختلفة التي شملتها زيارة أوباما لآسيا. فهو زار القارة في لحظة تشهد فعلا صعودا مدويا للعملاق الصيني ودوره هناك، ورغبة صريحة من الحليف الياباني في خلق مسافة في علاقته بالولايات المتحدة الأميركية.
والحقيقة أن أوباما منذ تولى الرئاسة في أميركا، أدرك بوضوح أن مهمته الدولية الأولى هي رأب الصدع الذي حدث في علاقات بلاده بالدنيا كلها، من العالم الإسلامي لأوروبا، ومن أميركا اللاتينية إلى آسيا. فبعد ثماني سنوات كارثية، كان لا بد للعقلاء في أميركا أن يدرسوا بدقة ما إذا كانت عسكرة السياسة الخارجية ولغة الغطرسة، مع الحلفاء قبل الخصوم، قد أتت بنتائج. وقد يكون من حسن طالع الأميركان أنهم انتخبوا هذه المرة رئيسا براغماتيا حتى النخاع.
والبراغماتية فلسفة أميركية بامتياز، تبحث عن المشترك الذي يمكن البناء عليه، ولا تتوقف كثيرا عند الاختلافات. وتبني المنهج البراغماتي كان ربما الأصلح، بعد سنوات عجاف من الأيديولوجيا والغطرسة ولا شيء آخر!
فعلى سبيل المثال، كانت الولايات المتحدة الأميركية قد قاطعت مؤتمر الآسيان طوال فترة حكم بوش. وكان السبب المعلن هو «الموقف المبدئي» الأميركي ضد الدكتاتورية، حيث كانت كوندوليزا رايس ترفض أن تجتمع على مائدة واحدة مع ممثلي حكومة ميانمار العسكرية التي انضمت للآسيان في أواخر التسعينات. وكانت نتيجة ذلك أن قاطعت أميركا تلك المجموعة الآسيوية التي تمثل 600 مليون نسمة، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الدول الأعضاء.
لكن مقاطعة المؤتمر والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على ميانمار، لم تغير شيئا من الوضع البائس في تلك الدولة. ومن هنا كان قرار إدارة أوباما بالعودة لحضور المؤتمر من جديد، وفتح الباب للمحادثات مع نظام ميانمار.
والواقعية نفسها هي التي حكمت موقف أوباما من الصين. فالصين صارت اليوم المقرض الأساسي لأميركا، وهي المشتري الأول لأذون الخزانة الأميركية. وأميركا هي أكبر مستورد للبضائع الصينية.
وقد فرض ذلك الواقع الجديد نفسه على أوباما. فلم يعد من الممكن في ظل تلك الظروف، فضلا عن الأزمة الاقتصادية الأميركية، أن تظل أميركا تتحدث بغطرسة إزاء الصين، أو تعطي محاضرات في الديمقراطية وحقوق الإنسان للدولة التي تقرضها وتضمن اقتصادها!
ومن هنا، اعتذر أوباما عن لقاء الدلاي لاما حين زار واشنطن في أكتوبر الماضي، لئلا يؤدي مثل ذلك اللقاء إلى إثارة حفيظة الحكومة الصينية عشية زيارة أوباما. بل أكثر من ذلك، كان من اللافت للانتباه أن إدارة أوباما كفت على مدار الشهور الثلاثة الأخيرة تماما، عن اتهامها للصين بالتلاعب بسعر صرف العملة الصينية. وهو الاتهام الذي وجهه أوباما بنفسه للصين طوال حملته الانتخابية للرئاسة، بل وردده وزراؤه حتى شهور قليلة مضت.
وطوال الزيارة تحدث الرئيس الأميركي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل بالغ العمومية، دون التطرق إلى التفاصيل، ثم اختار عباراته بعناية، حين تحدث في المؤتمر الصحافي مع الرئيس الصيني عن الدلاي لاما. والولايات المتحدة في حاجة للصين في عدد كبير من الملفات، بدءا بأفغانستان ووصولا لكوريا الشمالية، مرورا بلمف التغير المناخي والموقف من إيران.
ففي أفغانستان على سبيل المثال، تسعى الولايات المتحدة إلى إقناع الصين بأن صعود طالبان، من شأنه أن يمثل تهديدا يؤثر على الأقلية المسلمة في الصين ويشجعها على اتخاذ مواقف راديكالية. وهي تسعى من خلال ذلك، للضغط حتى ترسل الصين قوات من الشرطة العسكرية للمساعدة في ضبط الوضع الأمني في أفغانستان.
لكن يبدو أن إدارة أوباما لم تستطع أن تنتزع أية تعهدات صينية بشأن ذلك الملف، ولا بخصوص أي ملف آخر بالمناسبة. فكان لافتا في تلك الزيارة، أن عكس المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيسان الخلافات بينهما، بخصوص إيران والانتقال من الحوار معها إلى فرض العقوبات عليها.
لكنني نصحت طلابي بألا ينساقوا وراء الإعلام الأميركي الذي اعتبر أن زيارة الصين هي أهم ما جرى في رحلة أوباما الآسيوية. فما يحدث في العلاقات الأميركية اليابانية لا يقل أهمية. فرغم أن أوباما قال إنه مثل رئيس الوزراء الياباني انتخب تحت شعار التغيير، فإن ما لم يقله هو أن جزءا جوهريا من التغيير الذي وعد به هاتوياما، كان تغيير العلاقة مع أميركا نفسها، وإعادة رسمها على نحو يجعلها تتسم بالندية.
وقد انتزعت اليابان بالفعل تنازلين من أوباما، كان أولهما هو قبول القرار الياباني بالتوقف عن إمداد السفن الحربية الأميركية بالوقود في المحيط الهندي. أما الثاني والأهم، فهو إعلان أوباما عن قبوله بإعادة فتح باب التفاوض حول الوجود العسكري الأميركي في جزيرة أوكيناوا.
سألتني طالبة في نهاية المحاضرة، أين نحن العرب من كل ذلك؟ قلت لها إن الدرس الأساسي الذي يتجلى في التفاعلات الدولية التي عكستها تلك الرحلة، هو أن الأمم التي تتمتع بعافية داخلية، هي وحدها التي تستطيع أن تفرض نفسها ومصالحها فرضاً على الجميع!
كاتبة مصرية
