طالما شكّلت عملية سرد التاريخ منطلقا لفرض واقع جديد، في حالة الفهم التي يسعى الحاكم لفرضها وفق أهوائه ورغباته. وهذا ينطبق على جميع الأنظمة، بغض النظر عن طبيعتها الفكرية أو الإيديولوجية، حيث إن الهدف يكون بالدرجة الأساسية فرض تلك الرؤية واعتمادها كمقدمة للتطور المستقبلي اللاحق.

وقد بيّنت التجارب الكثيرة حول العالم، أن هذا الفرض كان ملازما لأداء النظام القائم منذ تسلّمه زمام السلطة، ومرورا بالأعوام التي يمارس فيها الحكم، في حين أن حالة الفرض المذكورة تكون أكثر وضوحا في تجارب الحركات الشمولية أو الدكتاتورية، لكن أيضا في الأنظمة الديمقراطية المشوّهة.

والتي تكون عادة غير ناضجة بما فيه الكفاية لكي تقوم بعملية التدقيق الموضوعية والسليمة لتاريخها، ولا مؤهلة لاستغلال تجارب شعوبها من أجل دعم مصالح الأجيال المقبلة. والأمثلة على ذلك كثيرة في عصرنا الراهن، لا سيما إذا أخذنا التجارب الأوروبية الكثيرة المخضّبة بالدماء، ناهيك عن تجارب شعوب الشرق الأوسط عموما والشعب العربي خصوصا.

وإذا أردنا أن لا نغوص كثيرا في التاريخ، تسطع أمامنا تجارب الأنظمة النازية والفاشية، ولاحقا الشيوعية الشمولية. وجميعها، مع فارق التشبيه والانتماء الفكري والنضالي طبعا، اعتمدت في بقائها المرحلي على عملية التشويه المتعمّد لصياغة التاريخ، لأنها أملت من خلال ذلك أن تضع أساسا لتطوير نظامها السياسي، معتقدة في قرارة نفسها أن بقاءها في سدة الحكم، يعتمد أصلا على تشويه حقائق التاريخ.

ويبدو من خلال الحقائق الكثيرة الماثلة أمامنا، أن بعض الأنظمة ذات الطابع الديمقراطي، تسعى أيضا من خلال ما تيسر لها من إمكانيات كثيرة لسلوك هذا النهج الخطير، لكن بأساليب أكثر قبولا للأجيال الصاعدة بسبب اعتمادها على لغة العصر. ويبدو هذا جليا في الصراع الحديث المفروض على العالم.

والذي يخوضه بعض القوى الفكرية انطلاقا من حملتها على ما يسمّى الإرهاب، بحيث باتت تلك القوى تسير في «نضالها» هذا على طبقة رقيقة من الجليد، ما يهدد بسقوطها المدوّي أولا، لكن أيضا بانخراط العالم بأكمله في أتون صراع خطير، يسعى لجعل طريقة فهمها للتاريخ والحاضر معا، أساسا لفرض النظريات المستجدة، مثل صراع الحضارات وما شابهه.

وفي لبنان، ذلك البلد الصغير في حجمه لكن الكبير في عمقه وتجاذباته الكثيرة، تتجلّى صور كثيرة وواضحة حول تأثير أسلوب فهم وقراءة التاريخ، على حاضر ومستقبل الوطن. ومن كان يتابع قبل فترة تطورات الوضع الحكومي، لا بد أن يلمس حساسية هذا الموضوع المستجد، الذي لم يغب عن ساحة الصراع المحلي أبدا منذ عشرات السنين.

فقد تبيّن لنا من خلال السجال الحاد أن وزارة التربية في لبنان، قد تحولت على الأرجح إلى وزارة سيادية من تلك التي يتنازع عليها الفرقاء، لا لشيء سوى أن الراغب في استلامها يهدف للتأثير على طريقة صياغة التاريخ الحديث، وكيفية نقله للأجيال الصاعدة.

وهذا لا يعكس نموا حضاريا أو وعيا متقدّما لدى الطرف الراغب في استلام مسؤولية هذه الوزارة، بل يكرّس في الحقيقة وجود أزمة خطيرة تنمو في جسد الوطن، وتهدد بالتحول إلى ورم خبيث قادر على أن يقضي على الحلم الجميل المسمّى لبنان.

لماذا ذلك؟ بكل بساطة لأن هذا التقاتل أو التباين الفكري، يعكس بكل التفاصيل الممكنة صورة الوطن الممزّق والمشتّت، غير القادر حتى الآن على جمع شمل أبنائه حول صيغة تؤمّن اعتماد قراءة موّحدة لتجارب وتراث الشعب. وهذا ليس تجنّياً على أحد، فما هو معروف في لبنان هو أن المدارس تعتمد في مناهجها التعليمية عدّة كتب من مادة التاريخ، وجميعها تحظى برعاية رسمية، أو على الأقل برعاية الطرف المسيطر على هذه المدرسة أو تلك.

وهذا أمر خطير حقّا، ولا يمثل حالة تنوع فكرية راقية كما قد يظن البعض، لأن ما تحتويه هذه الكتب ليس في الواقع سوى اختصار أدبي للفكر الحزبي الذي يتبناه هذا الطرف أو ذاك، وبالتالي استكمال مبسّط لأدبياته الإيديولوجية التي تدرّس عادة للحزبيين والمناصرين، لكن بلغة أخرى طبعا.

لقد تبيّن هذا الأمر بوضوح، عندما وقف أحد الملتحقين حديثا بالندوة البرلمانية اللبنانية، مهددا بنقل الصراع إلى المناهج المدرسية المختلفة، إذا لم يتوافق الزعماء على طريقة واقعية لسرد تاريخ الوطن. فكيف يمكن، حسب رأيه ورأي كثيرين، أن يحتكر طرف سياسي مصطلح الوطنية لمناضليه فقط وينكر هذا الأمر عن مناضلي غيره من الأحزاب، خصوصا أن هؤلاء كانوا مؤمنين بأنهم يقاتلون أيضا دفاعا عن كرامة الوطن؟ وكيف يُسمح لحزب أو تيار فكري أن يستأثر بمفهوم المقاومة وما تحتويه من قيم ومبادئ سامية، وينكر هذا الأمر عن غيره من «المناضلين» الذين قاوموا بدورهم من أجل بقاء الوطن؟

ليس مهما حسب رأي هؤلاء، من يقاتل من، ومن هو المحتل أو العدو. فلقد فرضت ظروف الوطن الكثيرة أن يكون هناك كثير من المناضلين وخليط من الأعداء. وإذا اضطر مقاتلو الأطراف المشتّتة أن يتراصّوا على جبهات متباعدة، ضد أطراف يصفها البعض بالأعداء والآخر بالأصدقاء، فإن المنطق يقضي بتسوية هذه المعضلة المبدئية ـ الفكرية في أسرع وقت، لكي لا تتحول إلى مادة نقاش تربوي ساخن.

وهذا مثال صارخ على أهمية كتاب التاريخ في صياغة المرحلة التالية من عملية بناء الوطن، والتي يمكن أن تكون إما مدمّرة بشكل قاتل، أو مطوّرة بشكل خلاّق.. ما هو مهم هو أن يعي الجميع في كل أنحاء العالم، أهمية القراءة الموضوعية للتجارب الكثيرة التي صنعت تراث الشعوب، بأمجادها وهزائمها معا. فقد أثبتت تلك التجارب أن قراءة التاريخ ممكنة بأشكال مختلفة.. أما حركته الحاسمة فتبقى واحدة دائما.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz