يشترك العديد من الدول في تجارب متشابهة، وأحيانا متطابقة، في المسار السياسي أو نظام الحكم وطريقة الوصول إليه. ولعل ما يجمع باكستان والسودان، بهذا الخصوص، أكثر من مجرد سجع الاسم فقط، أو الابتلاء بطبقة سياسية ضيقة الأفق وأنانية إلى أبعد الحدود.

لم تستقر باكستان منذ تأسيسها غداة استقلال الهند عام 1947، ورحل مؤسسها محمد علي جناح سريعا بعد عام واحد فقط من نشأة الدولة، فسقطت فريسة الفوضى منذ ذلك الحين. أما في السودان فإن الرئيس الأول إسماعيل الأزهري كان يمثل طبقة سياسية مستنيرة، لكنها كانت ضعيفة وأنهكتها المشاحنات الحزبية. في تلك المرحلة كانت المهمات التاريخية المطروحة أمام الطبقة السياسية في كلا البلدين، تتلخص في بناء أسس دولة الاستقلال.

محمد علي جناح أصر على دولة منفصلة للمسلمين، لكنه لم يكن يريد تأسيس دولة إسلامية، والفارق جلي وواضح. فالقوانين التي وضعها جناح للدولة الجديدة، كانت مستمدة من القوانين البريطانية، ولم تكن تستند على أي خلفية دينية.

لقد نشأت باكستان من رحم مخاض استقلال شبه القارة الهندية، لكن فيما سلكت الهند مسارا مختلفا تماما، تخبطت باكستان في الفوضى ما بين الحكم المدني والحكم العسكري، ولم تتمكن الطبقة السياسية فيها من تأسيس دولة حديثة بأي مقياس (كما جرى في الهند مثلا)، ولم يتمكن الجيش أيضا من أن يلعب دورا إيجابيا في هذا المسعى (كما في تركيا مثلا).

الأمر نفسه حدث في السودان، فبعد وقت قصير من حكم مدني أعقب وفاة إسماعيل الأزهري، انقض الجيش في 1958 على السلطة بعد عامين من الاستقلال، لتبدأ معه الحلقة الجهنمية من الانقلابات والانتفاضات المدنية، وصولا إلى انقلاب عام 1989. في كل هذا المسار الطويل، كان البلد يتخبط وينحدر في مسار واحد، وباصرار عجيب من طبقة سياسية عاجزة وضيقة الأفق، وقوى سياسية لا تسعى إلا إلى الاستئثار بالسلطة دون الآخرين.

وسط هذا التعاقب المدمر بين الحكم المدني القصير المليء بالإخفاقات، والحكم العسكري، يشار دوما إلى فترات الحكم العسكري بأنها أفضل الحقب التي مرت على البلدين. يتردد هذا حتى اليوم على لسان خبراء الشؤون الباكستانية، عن فترة حكم الماريشال أيوب خان والحكم القصير للجنرال إسكندر ميرزا والجنرال ضياء الحق، بل وحتى عهد الجنرال مشرف.

وفي السودان، يشار بإيجابية إلى حقبتي الجنرال إبراهيم عبود واللواء جعفر النميري. بل إن الجنرال عبد الرحمن سوار الذهب قدم مثالا حيا لطبقة سياسية مترهلة في السودان، عندما التزم بوعده ببقاء العسكر عاما واحدا فقط في السلطة، قبل تسليم الحكم للمدنيين.

في كلا البلدين، تبدو الطبقة السياسية عاجزة تماما. ففي باكستان هي طبقة إقطاعية متخلفة، لا يزيد فهمها للحكم عن المغانم الضيقة، ولم تبرهن في يوم على رؤية لبناء بلد وأمة، إلا في عهد ذو الفقار علي بوتو، الذي استلم الحكم بعد هزيمة مذلة للجيش الباكستاني في حرب انفصال بنغلاديش عام 1971.

مسار الإخفاق الطويل هذا، قاد إلى الوضع الحالي الذي تعيشه باكستان. فتزايد مد الأصولية المتطرفة إلى حد الاحتراب، ليس سوى تعبير عن أزمة هوية عميقة تضرب هذا البلد منذ نشأته. لقد بدأ التغيير الحقيقي منذ أن شرع الجنرال ضياء الحق في أسلمة القوانين، وتطبيق قانون عقوبات مستمد من الشريعة وغير ذلك من قوانين أخرى.

كانت تلك فترة الجهاد الأفغاني الذي انخرطت فيه باكستان بشكل محوري. ولسوف تتضح مفاعيل هذا الانعطاف الخطير في السنوات المقبلة حتى اليوم. فقبل ذلك لم تكن هوية الدولة لتمثل قضية، لكن الانعطاف الذي قاده ضياء الحق كان بداية للشرخ الذي أصيب به المجتمع الباكستاني، وامتد في أخطر فصوله إلى مؤسسة الجيش والمؤسسات الأمنية.

إن الانقسام داخل مؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية لم يعد أمرا خفيا، وهو الانقسام الذي راح ضحيته الرئيس مشرف الذي حاول اللعب على أكثر من حبل مثلما يرى الباحث في الشؤون الآسيوية عبدالله المدني.

لكن هذا ليس سوى رأس جبل الجليد، لأن صدى الحرب الدائرة في وزيرستان بين الجيش وعناصر طالبان الباكستانية، برهن على أن هؤلاء يمكن أن يهددوا مؤسسة الجيش نفسها والمؤسسات الأمنية. هذه هي الرسالة التي يمكن أن يلتقطها المراقب من عمليات التفجير المتتالية التي هزت العاصمة إسلام أباد في الأسابيع القليلة الماضية، واستهدفت مقرات للجيش والاستخبارات. إنها مؤشر آخر على أن الانقسام عميق داخل هذه المؤسسات، وأن الحرب قد تأخذ شكل اختراقات متبادلة.

لعل هذا ما دفع الخبراء الغربيين إلى القول إن باكستان بلد آيل للسقوط. أي أنه خلاصة سجل طويل من الإخفاق منذ العام 1947 حتى اليوم.

كيف الحال في السودان..؟ أخشى أن أقول الشيء نفسه، لو لا أن الواقع لا يترفق ولا يلاطف أمنياتنا.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh