لا تزال تداعيات الأزمة النووية الكورية الشمالية تتواصل على أكثر من صعيد، وقد قربت مواقف الدول المعنية مباشرة بهذه الأزمة في مجلس الأمن طيلة المرحلة الماضية، ولا سيما منذ أن قامت كوريا الشمالية بتجربتها النووية الثانية في 25 مايو 2009، والتي نددت بها الولايات المتحدة، قبل أن تقوم بتجارب على إطلاق صواريخ.

الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي تواجه إدارته سلسلة من الأزمات غير القابلة للحل في المدى المنظور، بعض هذه الأزمات مزمن، مثل الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي يعود إلى مرحلة الحرب الباردة، وبعضها الآخر، مع كل من إيران وكوريا الشمالية، مستجد في ظل التفرد الأميركي بقيادة النظام الدولي أحادي القطبية، قال في اليوم الأخير من جولته الآسيوية، في سيول عندما التقى نظيره الكوري الجنوبي لي ميونغ ـ باك: «سنرسل السفير (ستيفن) بوسوورث إلى كوريا الشمالية في 8 ديسمبر المقبل، لبدء مفاوضات مباشرة مع المسؤولين الكوريين الشماليين».

الهدف من إرسال السفير الأميركي إلى بيونغ يونغ، هو إقناع قادة كوريا الشمالية بالعودة إلى طاولة المفاوضات السداسية المخصصة لوقف برنامجها النووي. وكانت بيونغ يونغ أعربت في مطلع أكتوبر الماضي عن استعدادها لاستئناف المفاوضات التي بدأت سنة 2003، شرط إجراء حوار ثنائي مسبق مع الولايات المتحدة.

في الواقع ما تبحث عنه بيونغ يونغ من خلال المساومة على برنامجها النووي، هو ضمان بقاء النظام وشرعيته. وعلى نقيض عدة دول أخرى تمتلك أسلحة نووية، لا يبدو أن كوريا الشمالية تبحث عن التأثير في الوضع الدولي أو الإقليمي، بيد أنها تريد قبل كل شيء تأكيد شرعيتها السياسية.

كوريا الشمالية التي تناطح الكبار في ما يتعلق ببرنامجها النووي، هي دولة يبلغ عدد سكانها حوالي 23 مليون نسمة. وحسب تقديرات وزارة الخارجية الأميركية، فإن نصيب دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بلغ حوالي 200 دولار سنة 2008، الأمر الذي يجعل كوريا الشمالية تحتل المرتبة 189 في سلم الترتيب العالمي. أما صندوق الأمم المتحدة المعني بالطفولة، فإنه يقول إن هناك 42% من الأطفال الكوريين الشماليين الذين هم دون سن السابعة، يعانون من تخلف في النمو، وهناك 70 ألف طفل يعانون من نقص فادح في التغذية في كوريا الشمالية.

وكانت كوريا الشمالية تعرضت في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، لمجاعة كبيرة أودت بحياة مليون شخص. غير أن السلطات الرسمية تقول إن إنتاج القمح سيبلغ 5 ملايين طن في هذه السنة، أي بزيادة 7% عن سنة 2008، الأمر الذي سيمكن الدولة من تقديم الغذاء إلى السكان لكي يسدوا رمق عيشهم.

بيد أن الخبراء الأجانب المقيمين في بيونغ يونغ يشككون في هذه الإحصائيات الرسمية، في ظل غياب التقديرات التي تقدمها المصادر المستقلة، مثل البرنامج العالمي للغذاء، ومنظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة «الفاو»، اللذين توصلا إلى نتيجة محددة بأن العجز الغذائي في كوريا الشمالية بلغ 80 ألف طن سنة 2008، رغم توافر عوامل مناخية مشجعة، إضافة إلى الأسمدة المخصصة للزراعة.

أما سنة 2009، فقد كانت العوامل المناخية غير مشجعة، زد على ذلك رفض كوريا الجنوبية تقديم الأسمدة، من جراء اشتراط سيول تحقيق تقدم في مفاوضات البرنامج النووي الكوري الشمالي حتى تستمر في تقديم مساعدتها. ويتوقع الخبراء أن يكون العجز الغذائي في سنة 2009 متشابها مع سنة 2008.

وكان البرنامج العالمي للغذاء قد دق جرس الإنذار في الربيع الماضي، عندما طالب بتقديم مساعدة بقيمة 500 مليون دولار لكوريا الشمالية، لكي يتم تخصيصها لتغذية ثلث السكان المحليين، لكنه لم يحصل سوى على 20% من هذا المبلغ (حسب صحيفة لوموند 15/11/2009).

كوريا الشمالية موضوعة على القائمة السوداء في ما يتعلق بتلقي المساعدات الإنسانية، والسكان هم الضحايا الأوائل، بسبب طبيعة النظام الشمولي الذي يفضل البرنامج النووي الاستعراضي الحامي الوحيد لبقاء السلالة الشيوعية الوراثية في الحكم، بدلا من تأمين الغذاء لشعبه.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org