لقد تسرب القالب النمطي الذي يصور الشرق على أنه عدو للحرية، إلى مفكرينا ومنظري السياسة عندنا. وفي المقابل فإن الغرب عند أغلبهم قد تحققت له نعمة الحرية والكرامة والديمقراطية.

ومن هذين القالبين النمطيين، يصدر كل أو جل الكلام عن الغرب الذي يمثل الحرية ويقدسها، والشرق الذي يمتهنها أو يفتقر إليها. ولا يتصور القارئ إلى أي درجة أن هذا الكلام غير دقيق، بل هو صحيح بالمرة. فنحن وهم في هذا الوهم سواء. ويتجاوز الأمر كون عنصرية الغرب المتأصلة تمنعه من أن يكون ديمقراطيا حقا، إلى حقيقة أن مفكري الغرب بتقديسهم للحرية، كانوا يؤسسون تسلطية لا أخلاقية وحشية وعنيفة لم ير التاريخ لها مثيلا. وما ديمقراطيتهم إلا وعاء أجوف تقوده الأهواء والمصالح المادية، فما هي إلا بلوتوقراطية ذٌُُِّّكْفك؟

وليست ديمقراطية. دعونا نتأمل في هذا القالب النمطي السلبي، قبل أن نتناول القالب النمطي الإيجابي (!). أنا لا أريد هنا أن اكرر ما ذكره إدوارد سعيد عن نمط التفكير الاستشراقي، ولكنني أريد أن أتعمق في موضوع فكرة حرية الغرب، مقابل عبودية الشرق. في كتاب اليكس جورافسكي («الإسلام والمسيحية ـ عالم المعرفة 1996)، يضيف سولوفيوف إلى الشرق والغرب قوة ثالثة توجه التاريخ البشري.

القوة الأولى الثقافة الشرقية «التي تلغي الشخصية الفردية لصالح الجماعة»، والقوة الثانية الثقافة الغربية «تحطم التضامن العام من أجل الفردية». وهو في هذا يتبع رينان في التراث الاستشراقي. أما القوة الثالثة ـ وهذا هو العنصر الجديد ـ فهي الثقافة السلافية التي تمنح دفعة إيجابية للقوتين المذكورتين (ص 112). هذا موضوع مطروق معروف، ولكن ماذا لو تغلبت واحدة من هذه الثقافات على الأخريين؟

في كتاب طريف عنوانه «ماذا لو؟»، يضع مؤلفون من تخصصات مختلفة، احتمالات معاكسة لأحداث التاريخ الكبرى. مثال: ماذا لو انتصر الفرس على الأثينيين في معركة سلاميس؟ ماذا لو لم يمت الإسكندر الأكبر مبكرا؟ ماذا لو لم ينتصر المغول وعادوا إلى ديارهم؟ ماذا لو فشلت الثورة الأمريكية؟ ويمكننا أن نضيف ماذا لو انتصر العرب في معركة بواتييه؟

انظروا كيف يزوّر مؤرخ محترف التاريخ، إذ يعتبر فيكتور ديفز هانسن أن انتصار أثينا في معركة سلاميس، يمثل المواجهة الحاسمة بين الشرق والغرب، وكلمات مثل الحرية والمواطنة التي ابتكرها الأثينيون، لم تكن معروفة في البحر المتوسط، وأن اليونان لم تكن جزءا من حضارة البحر المتوسط إلا في الطقس والزراعة، بل إن اليونان هي ضد ما تمثله حضارة المتوسط من روحية وقيم عليا. وهذه كلها مبالغات تتجاوز حقائق التاريخ، إذا كان في التاريخ حقائق موضوعية.

فاليونان جزء من حضارة وعالم البحر المتوسط، وهي كذلك الآن وطوال تاريخها حتى يومنا الحاضر. وفكرة الغرب لم تتولد إلا بعد سقوط روما، وبعد العصور المظلمة في زمان حكم البرابرة في أوروبا. وسنرى ماذا حل بفكرتي الحرية والمواطنة بعد قليل. ولكن ماذا لو انتصر الفرس على الأثينيين (وليس اليونان)؟

المؤلف لا يتوقف هنا، بل يسترسل: مباني أثينا العامة ستتحول إلى دكاكين وبازارات بدلا من الفلسفة الهيلينستية، وفي العلوم سنحصل على فنون يطلبها الأغنياء والمتنفذون من علوم دينية واسترولوجيا، وتتبع البيروقراطية الدينية وليس التفكير العقلاني الحر.

في أثينا تحت حكم الفرس، ستكون المجالس المحلية ألعوبة في أيدي الملك وحاشيته للاستيلاء على الأموال العامة.. ولوضع النساء خلف الحجاب، ولمنعت حرية التعبير، ولتحولت الجامعات إلى مراكز للتعصب الديني، ولدخل شرطة الفكر في بيوت الناس ولاستبيحت حرماتهم (ص 19).

من رسل وأنبياء الحرية الغربيين، الذين ورثوا فكر عصر الأنوار، والذين نظروا للديمقراطيات الحديثة، يختار إسحاق برلين (وهو من المثقفين الغربيين المنصفين القلائل)، ستة يعتبرهم في تعصبهم لفكرة الحرية قد أسسوا للتسلطية الغربية، التي يريد مثقفونا أن نتبعها ونقلدها. وهم: كلود ألفتيوس، وجان جاك روسو، وفيخته الذي كان في فترة من الفترات من أتباع إمانويل كانت، وسان سيمون، وجوزيف دي ميستر. وباختصار شديد نقول إنهم جميعا وقعوا في مطب التعصب لفكرة الحرية، بحيث جعلوها مساوية للسلطة والتسلطية.

فهذا الفتيوس يعتقد أن الإنسان ما هو إلا إله لا يعرف إلا اللذة والألم، ولا يدرك البشر أن عليهم أن يتنازلوا عن حرياتهم للمخططين والتقانيين الذين يستطيعون في النهاية أن يوفروا لهم السعادة والتلذذ بنعم الحياة. وجان جاك روسو الذي تصور أن التناقض بين الحرية الشخصية والصالح العام، لا يحل إلا بتطابق يجعل الحرية الكاملة لا تتحقق إلا بجعلها تتطابق مع السلطة الكاملة.

بل إنه تصور أن المجتمع غير ممكن إلا باستجابته للإرادة العامة، وإجبار البشر على أن يكونوا أحرارا إذا اقتضى الأمر. فيخته من جهة أخرى، ميز بين الحرية السلبية التي لا تتحقق إلا بتدخل من قوى خارجية تحفظ توازن المجتمع، والحرية الإيجابية التي تمارس ضغوطا داخلية أو تتبع قواعد أساسية لتحقيقها، متوقعا ما سيكتبه كارل ماركس. أما سان سيمون، فقد وضع كل القيود الممكنة على الحرية، من خلال خطط كاملة للتنظيمات الاجتماعية والمؤسسات الصناعية وتخطيط المدن، وتأسيس المؤسسات المالية، والرعاية الاجتماعية، والنقابات المهنية التي تحققت في زماننا الحاضر..

بحيث أنه ضحى بالحرية في سبيل تحقيق التقدم. فالحرية عنده هي التحرر من الجهل ومن قوى الطبيعة، وهي الحرية الجماعية من هذه القوى، وليست الحرية الفردية. وجوزيف دي ميستر يذهب إلى أبعد مما ذهب إليه الجميع. فيقول «إن ما يصبو إليه الإنسان أو ما يحتاجه الإنسان، ليس الحرية وإنما السلطة». إن ما يجعله إنسانا هو معرفة واجباته وسعيه للقيام بها. «بدون الجلاد بفَهٍفَ، فإن المجتمع سوف ينهار، في حرب الجميع على الجميع.

ولذلك فإن الجلاد يجب أن يحظى باحترامنا وحتى حبنا. وما الحياة إلا ميراث للموت، وسفك للدماء بلا هوادة». أليست هذه هي عقيدة الموت عند الفاشست والنازيين؟! ويعلق مارك ليلا (خعز،52-4-20) على هذه العقلية بالقول: كيف بعد قرن من عصر الأنوار انتهت إلى الإرهاب والتسلط؟

وكيف أن جماهير واسعة من الغربيين الذين كانوا يتوقون إلى الحرية، وجدوا أنفسهم يتعاطفون مع الفاشست الذين حكموا أو هيمنوا على أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى وأثناء الكساد العظيم؟ فلم تكن تلك النخبة هي التي حكمت ولا هيمنة الحرية والمواطنة، وإنما التسلط والاستبداد في أبشع صوره.

أستاذ علم الاجتماع في جامعة الكويت

knaqeeb@hotmail.com