هذا الذي جرى ويجري من ردود فعل وتهديدات إسرائيلية هستيرية وأميركية أوروبية، وهذا الالتقاء الثلاثي ضد حق الشعب العربي الفلسطيني في اللجوء إلى مجلس الأمن، للحصول على اعترافه بإعلان الدولة الفلسطينية، على الورق، بعد أن خيبت الإدارة الأميركية آمال الجميع حتى في مسألة صغيرة كتجميد الاستيطان، إنما يكشف مجددا إلى أي حد وإلى أي مدى وصل ذلك التواطؤ الثلاثي ضد الحقوق العربية في فلسطين، وإلى أي مدى من النفاق والظلم وصل ذلك الانحياز الأميركي الأوروبي إلى جانب تلك الدولة الصهيونية القائمة في الأصل ـ كي لا ينسى أحد ـ بالسطو المسلح على أنقاض الوطن العربي الفلسطيني!
فلماذا، إذن، كل هذا الغضب وكل هذه التهديدات ضد نية فلسطينية ـ مجرد نية ـ للتوجه إلى الأمم المتحدة بشكل شرعي ووفق المواثيق الأممية؟!
تعتبر المؤسسة الأمنية السياسية الاستراتيجية الإسرائيلية، أن فلسطين «أرض إسرائيل»، وأن من حقها أن تعمل على تفكيك كافة التهديدات المحتملة لبقاء واستمرار تلك الدولة، وتعتبر أن الدولة الفلسطينية المستقلة في مقدمة تلك التهديدات، لذلك تضع كافة العراقيل التي من شأنها تعطيل مشروع الدولة الفلسطينية السيادية، حتى لو اضطرت في ذلك إلى شن حروب وحروب لا تتوقف على الفلسطينيين.
وهذا ما أكده شالوم يروشالمي في معاريف (19/4/2009) عن حقيقة موقف نتانياهو تجاه الدولة الفلسطينية قائلا: «نتانياهو مقتنع بأن تقسيم البلاد إلى دولتين، هو مصيبة عظيمة وتهديد استراتيجي أول في درجته على وجود دولة إسرائيل، ونتانياهو مقتنع بأن الدولة الفلسطينية نفسها هي تهديد ديمغرافي فظيع للصهيونية، بعد أن يتدفق إليها ملايين اللاجئين الذين سيطالبون بجمع شمل العائلات وحق العودة»، وهذه الدولة، في رأيه، «ستكون اليوم رأس حربة لهجوم عربي شامل على إسرائيل، وحتى جيش صغير نسبيا مزود بتكنولوجيا حديثة، يمكنه أن يهدد مدن إسرائيل بشكل مباشر» («مكان تحت الشمس»، صفحة 339).
كما أعلنها نتانياهو قبل أيام أمام مؤتمر سابان في القدس قائلا: لن يحل السلام قبل مواجهة ثلاثة تهديديات لإسرائيل؛ الأول، سعي إيران للحصول على سلاح نووي، والثاني صواريخ حزب الله في لبنان وحماس في غزة التي تهدد إسرائيل، والثالث تحصين الأمن الإسرائيلي»، أي أننا في انتظار حروب إسرائيلية في الأفق.
إلى كل ذلك، فنحن عمليا أمام أكثر من ستة عقود من الحروب الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وضد إقامة الدولة الفلسطينية، وأمام ذروة الهجوم الإسرائيلي على الأرض والقضية والحقوق وحتى على مصطلح النكبة...!
ولذلك كانت عملية السلام والمفاوضات المستمرة منذ ثمانية عشر عاما، عقيمة عبثية لم تسفر سوى عن تكريس الاستيطان والجدران والتهويد للقدس والضفة.
والواضح (كما أكدنا في مقالات سابقة في هذا الصدد)، أن سؤال الدولة الفلسطينية كان دائما السؤال الاستراتيجي الحقيقي الذي يحدد مسير ومصير كل قصة المفاوضات والتسوية، فهو الأكثر تفجراً في العلاقة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، والصراع بين الجانبين حوله هو صراع حربي ملغم بالتهديدات المبطنة أو الصريحة، في ظل حرب إعلامية نفسية ومعنوية تحريضية متفاقمة، ضد أي محاولة فلسطينية في اتجاه إعلان الدولة أو اللجوء إلى مجلس الأمن، كما تابعنا وشاهدنا خلال الأسابيع القليلة الماضية .
وفي ظل تطورات المشهد السياسي الفلسطيني التي وصلت إلى لحظة الحقيقة بالاقتناع بعبثية المفاوضات، في ظل الأجندات الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى شطب القضية والحقوق والحيلولة دون إقامة الدولة. وفي ضوء ذلك الالتقاء الثلاثي على منع الفلسطينيين من الوصول إلى مجلس الأمن، يبقى سؤال الدولة الفلسطينية الأهم والأخطر والأكثر حسماً ومصيرية في الأفق الصراعي، وهو الذي من شأنه أن يضع النقاط على الحروف في نهاية الأمر.
يسير الطرفان في هذا الصدد بقوة دفع هائلة، نحو لحظة الحقيقة التاريخية الحاسمة الآتية لا ريب.. لحظة الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية، وهي الخطوة التي تتوعد الحكومة الإسرائيلية ليل نهار بالويل والثبور إذا ما أعلن الفلسطينيون عنها.
من المفترض وطنيا ومنطقيا، أن تفرض هذه المسألة المتفجرة على الفلسطينيين أجندة أولويات واستحقاقات ملحة في هذا الإطار، في مقدمتها الحوار الوطني الجاد والتفاهم بين كافة القوى الوطنية، بغية إعداد وتقوية وتصليب جدران الجبهة الداخلية الفلسطينية، وفي مقدمتها العودة إلى الحضن العربي وإنعاش العمق والبعد العربي بصورة أكثر فاعلية وتأثيراً.. ثم إلى جانب كل ذلك، العودة بقوة إلى مواثيق وقرارات الشرعية الدولية التي تشكل رصيداً بالغ الأهمية بالنسبة للحقوق الفلسطينية العربية، طالما أن الأوراق العربية الأخرى غير مفعّلة!
فالدولة الفلسطينية هي الخيار الجارف أمام كل الفلسطينيين في الداخل والخارج الفلسطيني على حد سواء.. وهذا الخيار تقف وراءه جملة من القرارات الدولية الصادرة على مدى نحو 62 عاماً من الصراع.
المسؤولية الوطنية الفلسطينية والقومية العربية، تقتضي الاعتراف بأن دولة الاحتلال ليست دولة سلام، وإنما دولة قامت على الحراب والحروب ولن تخرج من جلدها. وعلى ذلك يبدو أنه لا مفر من أن يعود الفلسطينيون والعرب تدريجياً إلى الخيارات والبدائل الأخرى، مثل القمم العربية والأممية، فالأوراق والأسلحة الفلسطينية العربية كثيرة وفعالة ـ لو توفرت الإرادة الحقيقية للتصدي.. فمعركة الدولة الفلسطينية حقيقية وكبيرة، والدولة تنتزع انتزاعا ولا تقدم لنا على طبق من فضة هكذا.
فهل يستيقظ الفلسطينيون والعرب ليتوقفوا بمنتهى الجدية والمسؤولية أمام الحقائق أولاً، ثم أمام التحديات والأخطار الإسرائيلية ثانياً، ثم أمام خطابهم الإعلامي التفاوضي ثالثاً؟!
وهل يعمل الفلسطينيون، أولاً قبل الآخرين، على لملمة أنفسهم وترتيب بيتهم الداخلي وأوراق قوتهم من جديد؟ ثم هل يعملون على إعادة ترتيب خطابهم وأولوياتهم الوطنية والقومية، في ضوء ما ينتظرهم من تحديات استراتيجية وحروب لا مفر منها بمبادرات إسرائيلية أحادية الجانب؟!
كاتب فلسطيني
