اختتمت قمة روسيا والاتحاد الأوروبي أعمالها، دون أن تحقق تقدما ملموسا في عدد من الملفات، أبرزها معاهدة الشراكة الإستراتيجية التي جمدت منذ عام 2007، وجدد الاتحاد الأوروبي تمسكه بضرورة تنفيذ روسيا لالتزاماتها التي تم الاتفاق عليها لتسوية النزاع في منطقة القوقاز.
وعلى الرغم من أن الرئيس ديمتري مدفيدف دعا لإعداد مسودة لاتفاقية أساسية جديدة حول الشراكة بين روسيا والاتحاد الأوروبي، إلا أن إنجاز الاتفاقية الجديدة يبدو أنه لن يتم خلال الشهور القادمة، ليس فقط بسبب الأجواء التي تخيم على العلاقات الروسية ـ الأوروبية، وإنما بسبب التغييرات الجذرية التي تمت في بنية الاتحاد الأوروبي.
وقد تحولت العلاقات بين الجانبين في ظل ظروف تقادم القاعدة القانونية (اتفاقية الشراكة والتعاون)، إلى مجرد إعلانات ومشاريع مدوية ومساومات حول العديد من المسائل.
ويخدم هذا الوضع سياسات بعض القوى الأوروبية، التي تسعى من خلال تشويه سمعة روسيا إلى تعزيز مواقعها في الاتحاد الأوروبي. واضطر الجانبان إلى توقيع (خرائط الطرق) في عام 2005، التي شكلت إضافة للاتفاقات السابقة من خلال تحديد مجالات التعاون المشتركة الأربعة. وعلى الرغم من أن تلك (الخرائط) تعتبر مجرد تصريحات، إلا أنها رسمت اتجاهات التعاون المستقبلي.
ولا شك أن إعداد اتفاقية جديدة تحل محل اتفاقية التعاون والشراكة التي انتهى مفعولها منذ حوالي عامين، أسلوب عملي لتجاوز نواقصها ومواكبة التطور، ولتحديد اتجاهات التعاون على أساس القيم المشتركة. إلا أن المشاكل الداخلية الحالية في الاتحاد الأوروبي تستهلك الحصة الأكبر من موارده، خاصة بعد أن دخل ـ بعد انضمام بلدان أوروبا الوسطى والشرقية إليه ـ في مرحلة التحولات العميقة، وظهرت المشاكل المتعلقة بالمصادقة على الدستور الموحد.
والتي كشفت التناقضات الداخلية الموجودة حول اتجاهات مستقبل تطور الاتحاد الأوروبي، ما جعل عملية إصلاح الاتحاد حيوية، ليس فقط بالنسبة له، وإنما أيضا بالنسبة لشركاء أوروبا، على اعتبار أن هذا الإصلاح قد يوفر إمكانيات جديدة.
وقد أقرت القمة الاستثنائية للاتحاد الأوروبي التي عقدت في بروكسل، التعديلات في هيكل الاتحاد التنظيمي بموجب معاهدة لشبونة حول إصلاح الاتحاد، ودخل حيز التطبيق، إذ تم انتخاب رئيس الوزراء البلجيكي هيرمان فان رومبي أول رئيس للاتحاد الأوروبي، والبارونة أشتون أول رئيسة للدبلوماسية الأوروبية.
ويتوقع أن يحتاج الاتحاد لفترة زمنية، كي يتمكن من صياغة سياساته في إطار البنية التنظيمية الجديدة. وقد يوفر إصلاح الاتحاد فرصا لتقريب مواقف أعضائه، بعد أن عانى خلال السنوات الماضية من مخاطر الانشقاق وتبلور كتلتين.. دول أوروبا القديمة والتي كانت تعتبر العمود الفقري للاتحاد، ودول أوروبا الشرقية التي واجهت مصالح دول أوروبا القديمة بتوجهات إدارة بوش.
وكانت أزمة حرب العراق من أبرز الخلافات التي كادت تفجر الاتحاد، وجاءت في أعقابها عدة أزمات. وبات واضحا أن الاتحاد الأوروبي يحتاج لإصلاح بنيته، وإلا سيتعرض لانقسام حاد.
ولعل هذه الأزمة كشفت عن تباين في مواقف روسيا والاتحاد الأوروبي تجاه هذه الملفات، وكان المحرك لتعميق هذا الخلاف هو مجموعة دول أوروبا الشرقية، والتي لعبت دورا حاسما في تجميد الحوار الأوروبي ـ الروسي لتوقيع اتفاقية شراكة جديدة.
ويبدو واضحا أن مصالح القارة الأوروبية تتطلب مزيدا من التعاون والتنسيق مع روسيا، ليس فقط لضمان إمدادات الطاقة المستقرة، وإنما أيضا لأن روسيا أحد العوامل الأساسية لضمان أمن القارة، وتدرك دول أوروبا القديمة هذه الحقيقة.
بل إن السويد التي تحدث رئيس وزرائها فريدريك راينفيلدت خلال القمة، عن قلق أوروبا من معاملة المدافعين عن حقوق الإنسان في روسيا، ودعا روسيا إلى تنفيذ التزاماتها التي قطعتها على نفسها بعد نزاع القوقاز عام 2008، كانت أول دولة أوروبية تصادق على مرور خط أنابيب نقل الغاز الشمالي، على الرغم من اعتراضات بولندا ودول بحر البلطيق.
ما يعني أن دول أوروبا القديمة تسعى لتطوير أداء الأسرة الأوروبية نحو تحقيق مصالحها، وهو ما قد يحتاج لتسويات ضمن البنية الجديدة بين هذه المجموعات المتباينة داخل الاتحاد الأوروبي، وإقناع دول أوروبا الشرقية بضرورة أن ترسم سياساتها وفق مصالح القارة الأوروبية ومصالحها الوطنية، وألا تكون سياساتها ردود فعل، أو موالية لتوجهات قوى دولية أخرى خارج القارة.
خبيرة روسية في شؤون الطاقة