في جولته الأخيرة في آسيا، وجد الرئيس الأميركي باراك أوباما أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية، مثلها مثل العديد من الدول الأخرى، ليست لديها رغبة في سماع مزيد من المحاضرات الأميركية.
فبكين تشعر بالقلق بشأن حيازة كثير من الديون الأميركية، فيما تشعر اليابان بالإنهاك من وجود قاعدة عسكرية أميركية في أوكيناوا وترغب في إعادة تحديد علاقتها مع واشنطن. أما سول فبدأت تشعر بشكوك بشأن الالتزامات الأميركية تجاهها، في ما يتعلق بالحفاظ على سلامتها وأمنها من جارتها كوريا الشمالية.
والسؤال هو: لماذا هذا التراجع المفاجئ من قبل الرئيس الأميركي؟
في الحقيقة فإن الدولار الأميركي آخذ بالانهيار، بينما الذهب آخذ بالارتفاع بشدة. ولم يكن عجز الميزانية الأميركية أسوأ حالا مما عليه الآن، ويريد أوباما حتى تعويم مزيد من الديون لصالح الرعاية الصحية ومبادرات الطاقة.
وبحلول نهاية فترته الرئاسية الحالية، قد نضيف 9 تريليونات دولار أخرى لديوننا الفلكية الحالية والبالغة 11 تريليون دولار. فقد وصلت البطالة إلى أعلى من 10 في المئة، ووصل العجز التجاري في الربع الحالي من العام إلى مستوى شبه تاريخي مرتفع. ويتحدث دائنونا ومصدرو النفط عن استبعاد الدولار كعملة دولية شائعة.
ويعكس التردد الأميركي في الخارج، الأخبار الاقتصادية المترنحة. ففي أفغانستان لا نستطيع أن نقرر ما إذا كنا نسعى للنصر أم نعترف بالهزيمة، أو ببساطة نقترع على إبقاء الوضع الحالي. وطالت مساعي الرئيس أوباما بعض أعدائه، أمثال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد والرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، لكنهما ما زالا غير مباليين بتلك المساعي حتى الآن، على الرغم من اعتذاره عن الأخطاء الأميركية السابقة المفترضة.
ولم يعد الصينيون يستمعون إلى عظاتنا في ما يتعلق بحقوق الإنسان لديهم، وإساءة استعمال اتفاقيتي حرق الفحم والتجارة الحرة، ولا حتى قيامهم باحتجاز 5 ,1 تريليون دولار على شكل ودائع أميركية. وتبنى الرئيس الأميركي كثيرا من الإجراءات المضادة للخضوع لإمبراطور اليابان. ولكن لماذا لم يظهر أية مراعاة في هذا الشأن، على الرغم من الاعتماد الأميركي الكبير على النفط لأجنبي والواردات اليابانية؟
ومن بين كل الدول، تحذرنا فرنسا الآن بوجوب الحصول على مخرج مع الإيرانيين. وحتى الآن أبطلت السلطة في طهران جهودنا الحديثة الواسعة الهادفة لإيقاف أنشطتها النووية المتزايدة. ويتحدث المسؤولون الإيرانيون والروس الآن بصورة أكثر ودية معنا، لكن السبب يعود بصورة رئيسية إلى تقوقعنا داخل دفاعات صاروخية أرضية في أوروبا الشرقية، ولا نحصل على شيء في المقابل.
النرويجيون من جهتهم منحوا أوباما جائزة نوبل للسلام، بعد أقل من عام على وجوده في البيت الأبيض، دون تحقيقه إنجازات حقيقية. وكان لا بد أن تساورهم الشكوك بأن هذا الاعتراف العالمي، سوف يشعر الرئيس الأميركي بالتباهي ويجعله يدفع أميركا في وضعها العادي الراهن إلى بعد جديد متعدد الجوانب، ويتناغم مع تفكير الأمم المتحدة بصورة أكبر.
وقد أعلنت الإدارة الأميركية عن وسيلة جديدة أكثر رقة في الحرب على الإرهاب، فقد وعدت العالم بصورة متكررة بإغلاق معتقل غوانتانامو، وسخرت بصورة صارخة من كثير من بروتوكولات عهد بوش المضادة للإرهاب. وقد نحاكم محققي المخابرات المركزية السابقين، ونجري محاكمات مدنية، ونوفر حماية قانونية أميركية كاملة للإرهابيين المعتقلين الذين خططوا لهجمات الحادي عشر من سبتمبر.
وقد امتدح أوباما نفسه تاريخ وثقافة العالم الإسلامي، وحتى لفق السجل التاريخي لتضخيم إنجازاته. ومع ذلك أفشلت السلطات الأميركية هذا العام ثلاث مؤامرات متطرفة، في داخل الولايات المتحدة حتى الآن.
وعلاوة على ذلك، ثمة شعور متزايد بأن أميركا تنزف في الواقع، نظرا لأن الأصدقاء والأعداء في الخارج يشتمّون الدم في الماء. ويحاول الرئيس من خلال تسوياته وتنازلاته، بالإضافة إلى محادثاته المستمرة، استعادة النفوذ الذي حققناه في الماضي ولو ظاهريا، بفضل قوتنا الاقتصادية وثقتنا بماضينا الاستثنائي وقيمنا الفردية. لكن كون المرء كثير الضجيج وغير حصين، ليست مزيجا رابحا، نظرا لأن النفوذ السياسي والقوة العسكرية تستندان في نهاية الأمر على القوة الاقتصادية.
وتحتاج الولايات المتحدة لإعادة توطيد نفسها كدولة موثوقة ماليا ومسؤولة، حتى في حال قيامنا بالتحدث عن أي شيء من موقع قوة، بدءا من التسخين الأرضي وانتهاء بالموضوع النووي الإيراني. وهذا يعني توقفنا عن استدانة أموال الدول الأخرى.
ولا تستطيع أميركا كذلك مواصلة استيراد النفط الباهظ الثمن، والذي لا نرغب في إنتاجه في أراضينا. وعلينا أن نوقف بذل الوعود بمزيد من الاستحقاقات الحكومية لمزيد من الناخبين، والتي لا نستطيع حتى البدء في تسديدها.
ونظرا لمواصلتنا الانغماس الذاتي، يبدو عالم أكثر تحديا يقول إن القوانين القديمة للعبة قد تغيرت، وفي ردها على ذلك يتوجب على أميركا أن تبقى هادئة في الخارج بصورة أكبر، وأن تحاول إيجاد عصا أكبر.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد