لعبة الخداع والتخدير، حرفة تتقنها إسرائيل بامتياز. لا تكف عن ممارستها، بهدف الإرباك وشراء الوقت، في آن. تتحايل على المبادرات الهادفة والتزاماتها، ثم تسارع لطرح البدائل الملغومة. بذلك، تنسف الأولى وتذرّ الرماد في العيون، من خلال ما تسميه مبادرات أو مطالب أو شروط من النوع التعجيزي.

الآن هي تتحرك على مثل هذه الأرضية، فبعد أن أطاحت باحتمالات العودة للتفاوض، عبر رفض وقف التوسع الاستيطاني وحمل إدارة أوباما على التراجع؛ تعود إلى اللعبة المعهودة: إغراق الساحة بأكثر من بديل، في محاولة للعودة إلى دوّامة التخدير إياها. قبل أيام، طلع شاوول موفاز بفذلكة لإقامة «دولة» فلسطينية مشوهة؛ كان واضحاً أنها ترمي إلى صبّ الزيت على الخلافات الفلسطينية، لإشعالها زيادة.

اليوم يأتي الثعلب السياسي العتيق، شيمون بيريز، بما يسميه مبادرة جديدة. يزعم بيريز أن مبادرته، التي ينوي القيام بحملة لتسويقها، مبنية على «مبدأ الدولتين». لترجمة ذلك، يقترح «تكليف الإدارة الأميركية بمهمة إدارة المفاوضات » في واشنطن؛ وتقديم وسائل ضمانات إلى كل طرف.

أما عن الدولة الفلسطينية العتيدة، فيقول بأنها ستكون بمساحة «شبيهة» بمساحة أراضي 67؛ مع «تبادل أراضٍ يضمن بقاء غالبية المستوطنات ضمن تخوم إسرائيل»؛ على أن «يحصل قيامها على دفعتين وخلال فترة سنة إلى سنتين»، تقتضيها المفاوضات. مع بداية التفاوض، توقف إسرائيل البناء «من دون تجميد تام، لمدة «ثلاثة أشهر».

تهافت مبادرته، ينطق عن حاله. مماحكة مألوفة، تأتي في لحظة تطرح فيها إمكانية إعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد؛ والذهاب إلى مجلس الأمن الدولي لهذا الغرض. خيار بات قيد التداول الجدّي وتعاملت معه إسرائيل بالتهديد والوعيد. الحراك الإسرائيلي الراهن يحاول احتواء الاستياء الدولي من التخريب الاستفزازي الذي مارسته حكومة نتنياهو على مساعي السلام. كما يرمي إلى التشويش على احتمالات الإعلان من جانب واحد؛ بالرغم من الحواجز المتوقعة أن تعترضه في مجلس الأمن.

كرة الرد على ذلك، باتت في الملعب الفلسطيني والعربي. وقطع الطريق على الالتفاف الإسرائيلي، يلزمه ليس أقل من الحسم في التوجه؛ بقدر ما هو في الإسراع بعملية رأب الصدع الفلسطيني. موضوع ما زال يعيش هبّة باردة وهبّة ساخنة. وحدة الصف والموقف الفلسطيني، مسنودة بموقف عربي جازم؛ من شأنه دفع الملف إلى مجلس الأمن. وصوله قفزة نوعية، ولو أنها محاصرة.