تابعت مثل غيري من العرب، الضجيج الذي أثارته زوبعة العصبية الكروية بين الجمهور الكروي الجزائري والمصري، بل والضجيج الذي بسببه انحياز العرب لأحد الطرفين، فنسوا مشروع الجامعة العربية، ونسوا اللغة والتاريخ وكل الأحلام الكبرى في الوحدة العربية وتكتل الشمال الإفريقي العربي!
نسوا كل ذلك في لحظة واحدة، لكوننا مصابين بهوس السياسة والرياضة،وكل أشكال الحراك الانفعالي الإنساني، مما يتسبب في تعطيل العقل العربي لفترة مؤقتة، وأحيانا تطول لأكثر مما ينبغي في ميدان رحب كالرياضة ـ كالكرة ـ التي كان شعارها الأوليمبي الإغريقي السلام والمحبة بين البشر.
ولكن الفجيعة لم تكن في الإستاد الرياضي ولا عند قارعة الطريق أو في مقهى في الخرطوم أو القاهرة أو الجزائر، بل تعدت العصبية كل مراحلها المحتملة، فتذكرت الحرب الكروية الحدودية بين السلفادور والهندوراس، والتي راح بسببها ضحايا بلغ عددهم ما يقارب الخمسمائة إنسان من الطرفين. خسائرنا البشرية صفر وجراحاتنا الدموية قليلة، رغم التوتر العالي والذي فاق حجم الأفران النووية المشتعلة!
ولكون الشخصية العربية شخصية عاطفية، فإن الطامة الكبرى فرضت نفسها على المؤسسات الإعلامية، التي بدلا من تهدئة اللعبة الانفعالية، وجدناها تساهم في صب الزيت على النار وتهييج عاطفة المشجعين المشحونين، بعاطفة وطنية صنعتها الكرة أكثر مما تصنعها السياسة.
فنحن العرب عندما يلعب فريق عربي مع دولة أجنبية يفيض حماسنا للأشقاء، الذين هم من عرق وقبيلتي داحس والغبراء، غير أن ذلك الحماس القومي والعروبي يتبخر حالما يلتقي فريقان عربيان، فينقسم المشروع القومي إلى مشروع قطري، مما يجعل الإخوة في كل التيارات القومية حزانى ومصابين بالإحباط من الحالة الانعزالية في الفكر والسياسة، مما يعني أن الكرة بدأت تفرض نفسها على السياسة وتفسد العلاقات الثنائية والعربية أيضا، بدلا من أن تكون الرياضة جسرا للعلاقات الدولية والإنسانية.
ففي الوقت الذي يحطم الأتراك والأرمن تاريخا من الصراع في مباراة رياضية يحضرها الرئيسان، نجد أنفسنا اليوم أمام أزمة دبلوماسية حادة بين الجزائر ومصر، بين بلد قدم في فترة الناصرية دعما مشهودا لبلد المليون شهيد، كتعبير عن تلاحم عربي حقيقي يجهله مراهقو السياسة والرياضة اليوم في كلا البلدين.
فهل كان من المنطقي أن يبلغ سقف التوتر والاحتدام إلى هذه الدرجة؟ ألم تشعر المؤسسات الإعلامية والسياسية بمدى خطورة التصعيد لمجرد أن كل طرف تدفعه «الأنانية الرياضية» من أجل الوصول إلى جنوب إفريقيا ليرى علم بلاده يرفرف؟ في وقت يرفرف علم الاتحاد الأوروبي في كل مكان ككتلة أوربية جديدة تفرض نفسها يوميا على خارطة العالم!
من المخجل، أنه في الوقت الذي يختار الاتحاد الأوروبي رئيسا له ووزيرة للخارجية، لكي يتحدثا بصوت جماعي واحد وباسم دولة أوروبية موحدة تتشكل، وكيان ثقافي واقتصادي وسياسي يؤسس للمواطنة الأوروبية، أو بتعبير آخر «أوربة الإنسان» في الاتحاد بنمط من القيم والعلاقات والثقافة التي تتخطى الحدود والكيانات السيادية الضيقة فكرا وواقعا، وتنفتح الأسواق وتتمدد بين تلك الدول.. فإننا نرى نحن العرب أنفسنا في حالة توتر واختلاف وتعقيدات لا تحد.
كل ذلك بسب ذهنية الأنظمة ومنظومة التربية السياسية والثقافية والإعلامية، التي تتسيد في الساحة العربية، فيما نرى في المقابل نمطا من النفاق السياسي والمجاملة التي ليست في صالح أحد.
ترى على من تقع مسؤولية تلك المشاحنات؟ الدبلوماسيون ورجال السياسة؟ الإعلاميون المفلسون دعاة الكلمة المزيفة والشعارات الطنانة؟ المواطن العربي الغلبان في خبزه وقوته ومعاشه، الموتور يوميا بشتى مصاعب الحياة؟!
التعصب ظاهرة إنسانية، ولكنها تتضخم وتتسع كلما وجدت نفسها تغوص في مستنقع الجهل والتخلف، ويمارس لعبتها الكبار سياسيا وإعلاميا، ويزج في أتونها مشجّع مولع بجنون اللعبة أولا، وبحب الوطن ثانيا. هؤلاء المهووسون كرويا موجودون على خارطة الكرة أينما نذهب، ولكننا لن نجد مهووسين إعلاميا يتحركون بإشارة من أصابع الساسة.
لقد كان نموذج مباراة الخرطوم نموذجا غير مريح بكل المقاييس، ومن يستمع منا ويقرأ المشادات الدبلوماسية والإعلامية الحالية بين القاهرة والجزائر، يكتشف أننا نحمل الموضوع أكثر بكثير مما يحتمل.
فمن يعلق جرس المحبة والعقل والأخوة أولا ويحتوي الأزمة، الجزائر أم مصر أم طرف ثالث وسيط يصلح ذات البين؟
كاتب بحريني