على مسافة غير بعيدة، يستدعينا محراب الوعي مناديا من لا يزال لديهم مقدار قبضة من يقظة، حي على الرؤية الأبعد، وبعيدا عن الأنا التي تشكلها غوغائية الجموع الفاقدة للقدرة على استدراك الواقع، فما بالكم بقراءة المتواليات من الأحداث، حيث الحجب في حاجة إلى لياقة من نوع خاص جدا.
وبين أن تعيش التجربة بكل ما فيها من أفراح وأتراح، وأن تستدرك ما يمكن التقاطه في لحظات وما لا يمكن استيعابه إلا بعد آماد طويلة، لهي لحظة الفصل بين العقل ذي الصفة الإنسانية وبين العقول الهائمة في شتات لا رجعة منه.
وأنا هنا لا أستدعي دارون صاحب نظرية النشوء الذي وصمنا بأن أصولنا قردة، بل نحن نبدأ من حيث خلقنا بشرا من طين وحملنا على رؤوس الأشهاد التكليف، ومنحنا قدرة التمييز بين الوهم وبين الحقيقة، على قاعدة «استفت قلبك وإن أفتوك الناس وأفتوك».
ويأتي النقد الذاتي كحالة تحمل صفة الضرورة القصوى، لنتناول من خلالها الواقع ونخضعه لما يمكن أن نسميه مبدئيا حسابات الربح والخسارة، من منطلق أن ناتج الحسبة لا يمكن اعتماده بهذا الاستدراك اللحظي، الذي يأخذ حكمه بلحظة الالتفاتة السريعة، لا التأني الذي يفتح آفاقا أوسع للنضج في سبر أغوار التجربة واستخلاص النتائج اللحظية وبعيدة المدى، وهو الذي نسميه بوعي المرحلة.
وما يمكن أن يحتمله الفرد، يمكن كذلك أن يستوعبه الوعي السياسي العام، خاصة في أفق عربي ممتد لا يكاد يخلو من تفاعلات تستوجب الرأي والموقف، وذلك تحقيقا للشعارات التي طالما رفعت بعناوين براقة، عن حق الشعوب وتحرير الأرض وزوال الاحتلال والعدالة الاجتماعية.. الخ الخ.
يأتي الزمن اللا محدود حلا ناجحا لكثير من الأحداث التي تدخل ضمن يومياتنا، سواء كانت حربا أو سلما أو حتى كرة قدم، لكن العقدة تكمن في الإنسان كونه خلق عجولا، لا يلتقط العبرة إلا بعد فناء الوقت، ويظل يعبث في يومه وجل عمره، لكي يردد بعد فوات الأوان «ربي ارجعون».
فالقصة مستمرة من لدن آدم وإلى أن يبعثون، وهي شاملة الفرد والجماعة.. كل حسب بلائه وإن رآه نعيما.
